كُتاب الرأي
رائحة الغائب

رائحة الغائب
بدر بن سالم
في مراحل العمر الأولى، قد يُصدم الطفل بغياب أبيه أو أمه بسبب السفر، فلا يفهم معنى الغياب، ولا يدرك لماذا رحل من اعتاد أن يراه كل يوم، فيبكي بكاءً شديدًا. فتأتي إحدى الجدات، وقد عرفت من تجارب الحياة ما لا يعرفه الطفل، فتأخذ قطعة من ملابس الغائب، وتقربها منه؛ فإذا به يشم رائحته، ويهدأ شيئًا فشيئًا، وربما ضم الثوب إلى صدره وكأنه يضم صاحبه.
قد تبدو هذه الحكاية بسيطة، لكنها تكشف شيئًا عميقًا في طبيعة الإنسان؛ فمنذ طفولتنا ونحن نتعلم أن الغائب قد يغيب بجسده، لكنه يترك وراءه رائحة وصوتًا وملامح وأشياء صغيرة تحفظ حضوره فينا. وهذه عادة عرفتها بعض الأسر الخليجية وتوارثتها، حتى أصبحت رائحة الثوب أحيانًا أقرب إلى الطفل من صورة الغائب.
ولعل الحنين والشوق إلى المحبوب والأرض من أكثر العواطف حضورًا في الوجدان الخليجي، لا بمعنى أننا نملك الحنين وحدنا؛ فالحنين شعور إنساني لا وطن له، ولكن لنا في التعبير عنه إرث طويل من الشعر والحكايات والأغاني والذكريات.
فالإنسان كثير الندم والشوق، وربما كان غضبه أو تسرعه في اتخاذ القرار سببًا في فراقه، ثم لا يعرف قيمة من ترك إلا بعدما يصبح بعيدًا. وقد يكون العشق حاضرًا في القلب، لكنه لا يظهر بكامل قوته إلا حين يأتي الفقد، فيكشف للإنسان ما كان يخفيه عن نفسه.
ويُروى أن رجلًا أراد التجارة في الأندلس، وكان فراقه لزوجته شديدًا عليه، فلما وصل إلى أرض الأندلس أصابته الحمى، وبدأت عليه مراحل النزع، حتى أصبح الموت قريبًا منه. وفي تلك اللحظات لم يجد أمامه إلا صورة من تركها خلفه، فرفض أن يستسلم لأنفاسه، وكأن روحه كانت تريد العودة إليها، وقال:
أَسْتَوْدِعُ اللَهَ في بَغْدادَ لي قَمَراً
بِالكَرْخِ مِنْ فَلَكِ الأَزْرَارِ مَطْلَعُهُ
وَدَّعْتُهُ وَبِوُدِّي أَنْ تُوَدِّعَني
رُوحُ الحَياةِ وَأَنِّي لا أُوَدِّعُهُ
وَكَمْ تَشَبَّثَ بي يَوْمَ الرَّحيلِ ضُحىً
وأَدمُعي مُسْتَهِلاتٌ وَأَدمُعُهُ
وَكَم تَشَفَّعَ في أَن لا أُفارِقَهُ
وَلِلضَّرُورَةِ حَالٌ لا تُشَفِّعُهُ
وهنا يصبح الفراق أكثر من مجرد ابتعاد؛ يصبح امتحانًا يكشف مقدار المحبة التي لم نكن نعرف حجمها إلا عندما أصبح اللقاء مستحيلًا.
وفي زمننا، أعتذر للأدباء إن عدنا إلى حكاياتهم، لكن قصيدة نورة الحوشان تظل حاضرة في هذا الباب؛ فقد حملت في أبياتها مرارة الفراق والندم، واستحضرت صورة محبوب كانت تراه متحشمًا متغطّيًا بجانب السوق، وكانت تراه من بعيد، حتى إن الدمع كان يبلل غطاءها من شدة ما في قلبها.
ذاك الوقت إلى يومنا هذا، لا تزال تلك الأبيات قادرة على لمس الذاكرة:
يا عين هلي صافي الدمع هليه
واليا انتهى صافيه هاتي سريبه
يا عين شوفي زرع خلك وراعيه
شوفي معاويده وشوفي قليبه
من أولٍ دايم لرايه نماليه
واليوم جيتهم علينا صعيبه
وإن مرني بالدرب ما أقدر أحاكيه
مصيبة يا كبرها من مصيبة
اللي يبينا عيت النفس تبغيه
واللي نبي عيا البخت لا يجيبه
فهل الإنسان كثير الندم والشوق بسبب الغضب والتسرع في القرار، فيذهب ثم يكتشف قيمة من ترك؟ أم أن العشق لا يظهر إلا في حالة الفقد؟ أم أن الحب والحنين عاطفتان مستقرتان في الإنسان، لكن الغياب يمنحهما صوتًا أعلى؟
وليس الإنسان وحده من ارتبطت ذاكرته بالوفاء؛ فقد امتلأت الحكايات الشعبية بقصص عن الإبل التي تموت بموت صاحبها، وعن الخيل التي تحزن لفقد فارسها. ولا أدري كم من هذه الحكايات يمكن إثباته، لكنني أعرف أن الناس لم يروها عبثًا؛ فقد أرادوا أن يقولوا إن الوفاء يبلغ من الإنسان مبلغًا يجعله يرى أثره حتى في الحيوان.
ولا يُرثى إلا الكريم الفارس، أحبابي؛ فالإنسان لا يخلد بما يملك، وإنما بما يتركه في نفوس من عرفوه.
وفي عالم تحول فيه الإنسان إلى تأدية عمله، وانشغاله بطلب الرزق، قد يميل المرء إلى عدم الاهتمام بتفاصيل عائلته. وقد تسأل أبًا عن عمر ابنه، فيضحك ويقول: لا أعلم.
وهنا يصبح الفقد أشد قسوة؛ لأن الإنسان قد يفقد تفاصيل من يحب وهو ما زال يعيش معه تحت سقف واحد.
وقد تكون طفلة في المدرسة تبكي، وهي تظن أنها تودع الحياة؛ لأنها بلغت وبدأ معها العذر، ولم تكن تعرف ما يحدث لها، ولم تعلمها أمها بسبب انشغال الحياة وضغوطها. فتأتي المعلمة، وتأخذ بيد ابنتها، وتشرح لها ما يحدث، وتهدئ خوفها، ولا تصرخ عليها ولا تشعرها بالجهل أو الخجل.
هل تظن أن هذه البنت ستنسى تلك المعلمة؟
لن تنساها بسهولة.
قد تكبر، وتتخرج، وتتزوج، وتنجب أبناء، لكن تلك المعلمة ستبقى في ذاكرتها في منزلة تشبه منزلة الأم؛ لأنها لم تعلمها معلومة فقط، بل احتوت جهلها وخوفها في لحظة كانت تحتاج فيها إلى من يفهمها.
وهنا ندرك أن الإنسان قد يعشق من أحسن إليه، لا عشق المحبين وحده، وإنما عشق الامتنان، وعشق الأثر، وعشق اليد التي امتدت إليه حين كان محتاجًا.
فابذر الخير؛ سيأتي من يأخذ الثمر منك.
وحين يأتي التخرج، تبدأ الدموع بين المعلمات والطلاب، وكأن الجميع فوجئ بأن سنوات كاملة انتهت في لحظة. لكن تلك الدموع ليست على يوم التخرج وحده، وإنما على شيء أعمق؛ هناك بذرٌ بقي في الروح ولم يمت.
فالمعلمة التي احتوت طفلة، والأب الذي حضن ابنه، والأم التي تركت في قلب ابنتها أمانًا، والمحب الذي ترك وراءه رائحة ثوب، والوطن الذي نشتاق إليه بعد الغياب، كلهم يتركون شيئًا لا ينتهي بانتهاء اللقاء.
وربما لهذا السبب، حين يأخذ الإنسان ثوب من يحب ويشم رائحته، لا يكون يبحث عن رائحة القماش؛ إنه يبحث عن إنسان غاب، لكنه لم يغب من داخله.
فالناس يرحلون، والأماكن تتغير، والأعمار تمضي، لكن ما زرعناه في القلوب لا يرحل بالسهولة نفسها.
ابذروا الخير، وأحبوا بصدق، ولا تستهينوا بأثر وجودكم في حياة الآخرين؛ فقد تغيبون يومًا، ويبقى منكم شيء في قلب إنسان لم تعرفوا أنكم أنقذتموه أو أسعدتموه أو منحتموه سببًا ليكمل الطريق.
وهكذا، ربما لا يكون العشق محصورًا في محبوب أو زوج أو أرض؛ فقد نعشق أبًا وأمًا، وصديقًا ومعلمًا، وبيتًا ومدينة، وذكرى، وحتى ثوبًا بقيت فيه رائحة من نحب.
فالإنسان لا يحتفظ دائمًا بالأشخاص، لكنه يحتفظ بآثارهم.

