كُتاب الرأي
اصفع أخاك ولا تُبالِ

اصفع أخاك ولا تُبالِ
فيصل الكثيري
يحدث أن تجلس مع شخص تعرف أنه يقترب من قرار سيؤذيه، وتكتشف أن أصعب ما في الجلسة ليس أن تقنعه. الأصعب أن تختار بين شيئين يهمانك معا: أن يبقى راضيا عنك، وأن يسمع منك ما قد يمنعه من ارتكاب الخطأ. تزداد الحيرة حين يكون قريبا منك؛ أخا، صديقا، ابنا، أو شخصا عزيزا عليك. تقول رأيك مرة، فيستخف به. تعيد الشرح، فيراك متشائما. تضغط قليلا، فيبدأ بالدفاع عن نفسه، ثم تشعر أن الحديث خرج من القرار إلى العلاقة نفسها. لم تعد تناقش فكرة، صرت تخشى أن تخسر مكانك عنده. هنا يظهر شيء لا نعترف به بسهولة: نحن لا نخاف على من نحب فقط، نخاف أيضا من غضبهم علينا. لهذا نجد ألف سبب كي نصمت. نقول إن كل إنسان مسؤول عن حياته، وإن التجربة تعلم، وإن علينا احترام الاختيارات. وكل هذه العبارات قد تكون صحيحة في موضعها، لكنها تصلح أحيانا لتغطية خوف شخصي جدا: لا أريد أن أكون أنا من يقول له ما يكره سماعه. فتصبح المجاملة أريح من المواجهة، ويصبح السكوت أكثر تهذيبا من الصراحة، ثم نمضي ونحن مقتنعون أننا احترمنا حريته. وقد نكون احترمنا راحتنا نحن. هذه نقطة مزعجة، لأنها تقلب صورة المحبة قليلا. فنحن نحب أن نرى المحب شخصا يخفف، ويواسي، ويقف معنا. بعض المواقف تحتاج من يقف بيننا وبين الحماقة التي نرتكبها ونحن مقتنعون أننا نحسن التصرف. هنا تأخذ الصفعة معناها.
ليست اليد المقصودة. الصفعة قد تكون كلمة تقطع اندفاعا، أو موقفا حازما، أو رفضا صريحا، أو تدخلا يزعج الآخر في اللحظة التي يحتاج فيها إلى من يزعجه. وقد يكون أثقل ما فيها أنها قد تؤذي علاقتك به قبل أن تنفعه. فالإنسان يستطيع أن يقول الحقيقة الثقيلة لشخص لا يعنيه كثيرا، ثم يغادر. أما حين تقولها لمن تريد بقاءه في حياتك، فأنت لا تخاطر بالكلام وحده. قد تخسر قربه زمنا، وقد يسيء فهمك، وقد يتهمك بالتحكم، وقد يراك خصما في اللحظة التي تحاول فيها أن تكون أكثر الناس وفاء له. لهذا تبدو المجاملة أحيانا أكثر لطفا، والصراحة أكثر قسوة، مع أن النتيجة قد تعكس ذلك بعد سنوات.
صديق يرى صديقه يغرق في الديون، ويواصل مجاراته حتى لا يفسد الصداقة. أخ يعرف أن أخاه يسيء إلى أسرته، فيؤجل الحديث كل مرة. أب يرى ابنه يقترب من رفقة خطرة، فيخفف المواجهة حتى لا ينفره. وكل واحد منهم يستطيع أن يجد اسما محترما لصمته: الخصوصية، الحرية، الحكمة، تجنب المشاكل. وقد يكون الاسم الأدق: الخوف. نخاف أن نصبح ثقيلين. نخاف أن يقال عنا متدخلون. نخاف أن يبتعد عنا من نحب. ولهذا نقنع أنفسنا أن الصمت احترام، حتى حين نعرف في داخلنا أنه مجرد انسحاب مهذب. والإنسان بارع في منح مخاوفه أسماء جميلة. يقول إنه لا يريد التدخل، وقد يكون لا يريد تحمّل غضب الآخر. يقول إنه يحترم الحرية، وقد يكون عاجزا عن خوض مواجهة مؤلمة. يقول إن الأيام ستعلمه، ثم يترك الأيام تقوم بالعمل الذي كان يمكن لكلمة صادقة أن تبدأه.
لكن الصراحة نفسها ليست بريئة دائما. هناك من يجرح ثم يختبئ خلف عبارة «أنا واضح». وهناك من يهين ويظن أن الإهانة شجاعة. وهناك من يدخل حياة الناس بمطرقة، ثم يطالبهم بالشكر لأنه كان صادقا معهم. لهذا لا تكفي القسوة وحدها كي تصبح رحمة. السؤال الأهم يتعلق بالدافع: ماذا تريد من المواجهة؟ إذا كنت تستمتع بتصغير الآخر، أو تريد أن تثبت أنك كنت الأذكى، أو تشتهي لحظة اعترافه بخطئه، فأنت لا تنقذه من وهمه، أنت تبني لنفسك منصة فوق خطئه. أما حين تقول الكلمة وأنت تعرف أنها ستكلفك أيضا، وحين تختار أقل الطرق إيذاء، وحين يبقى هدفك أن ينجو لا أن تخسر أنت أقل، تصبح الصورة مختلفة.
المحب الحقيقي لا يحتاج دائما إلى أن يكون مريحا. أحيانا يحتاج إلى أن يكون واضحا بدرجة مزعجة. وهذا لا يمنح أحدا حق إدارة حياة الآخرين. الناس يملكون اختياراتهم، ويملكون أيضا حق ارتكاب بعض أخطائهم. بعض الأخطاء لا تخص صاحبها وحده، وبعضها يترك أثرا لا تعالجه الحكمة المتأخرة، وبعضها يراه القريب أوضح لأن صاحبه يقف داخله. نحن نردد أن الإنسان يتعلم من أخطائه، وكأن كل خطأ دورة تدريبية مجانية. الواقع أقل لطفا. بعض الأخطاء تعلم، وبعضها يستهلك سنوات قبل أن يشرح الدرس. وقد تكون فائدة الأخ، والصديق، والأب، والمحب، أنه يريك ما تعجز عن رؤيته وأنت منهمك في الدفاع عن قرارك.
ومع الوقت نعيد تقييم كثير من الناس في حياتنا. نتذكر شخصا أزعجنا بكلمة، ونفهم متأخرين لماذا قالها. وقد ننسى عشرة أشخاص وافقونا كي لا يخسروا رضاَنا. الغريب أن الذي أفسد علينا اللحظة قد يكون هو الذي حاول إنقاذ ما بعدها. وحين ترى أخاك مندفعا نحو حائط يظنه بابا، لا تمدحه على سرعته. نادِه، وإن لم يسمع، اقترب أكثر. وإن احتاج إلى صفعة من الحقيقة، فلتقع الصفعة على وهمه، لا على كرامته. قد يغضب منك زمنا، لكن بعض الغضب قصير العمر، وبعض السكوت طويل الثمن.
