كُتاب الرأي

ماذا لو اختفى القات من حياة المقاتل الحوثي؟

ماذا لو اختفى القات من حياة المقاتل الحوثي؟

فيصل مرعي الكثيري 

تخيل مقاتلا حوثيا اعتاد أن يمضغ القات ساعات طويلة، يستعين به على السهر ومقاومة التعب والجوع. ثم يأتي يوم يبحث فيه عن أوراقه فلا يجدها. قد يبدأ الخمول، ويثقل رأسه، ويضطرب مزاجه، وتزداد حاجته إلى النوم والطعام. وهنا يبرز سؤال: هل يستطيع هذا المقاتل المحافظة على يقظته وقدرته على التحمل حين يغيب عنه ما اعتاد الاستعانة به؟
يحتوي القات على مادة الكاثينون المنبهة للجهاز العصبي، التي تزيد اليقظة وتثبط الشهية مؤقتا. وقد أظهرت دراسات علمية أن التوقف عنه لدى بعض المعتادين عليه قد يصاحبه التعب والتهيج وانخفاض المزاج وضعف الحافز وزيادة الشهية واضطراب النوم. وتتفاوت هذه الأعراض بحسب درجة الاعتياد والحالة الصحية، وقد تؤثر في النشاط والتركيز خلال فترة الانقطاع. والمسألة تتجاوز الرغبة في مضغ القات. فالإنسان حين يعتاد مادة منبهة قد يخلط بين قدرته الطبيعية على التحمل والنشاط الذي تمنحه إياه. وربما ظن أن مقاومته للتعب صفة راسخة فيه، حتى يأتي غياب المنبه فيكتشف أن جسده كان يؤجل مطالبته بالراحة. فالقات يستطيع تأخير الإحساس بالإرهاق، لكنه لا يلغي حاجة الجسم إلى النوم والغذاء. وهنا تستحق العلاقة بين الاعتياد على المنبهات والأداء تحت الضغط أن تُدرس بعناية.
والتاريخ يقدم شواهد تستحق التأمل. خلال الحرب الأهلية الأمريكية عانى جنود الجنوب من ندرة القهوة بسبب الحصار البحري، واضطروا إلى استعمال بدائل لها، بعدما أصبحت جزءا من حياتهم اليومية ومعنوياتهم. وفي الحرب العالمية الثانية استخدم بعض جنود الجيش الألماني عقار «بيرفيتين» المنشط لمقاومة التعب والنعاس. وتختلف هذه المواد في طبيعتها وتأثيراتها، ولا يمكن نسبة نتائج المعارك إلى وجودها أو غيابها وحده، لكن التجربتين تكشفان حضور المنبهات في حياة الجنود خلال ظروف الإجهاد الطويل.
ولنعد إلى اليمن. فالقات عادة اجتماعية ضاربة في التاريخ، سبقت الحرب الحوثية بقرون، وترسخت في المجالس والمناسبات والحياة اليومية. والمقاتل الحوثي خرج من هذا المجتمع حاملا معه عاداته، ومنها مضغ القات لدى من اعتاده. وإذا كان الانقطاع عنه قد يصاحبه اضطراب في المزاج والنشاط والنوم، فإن التساؤل عن أثر ذلك في ظروف القتال يصبح مشروعا. وتبقى معرفة حجم هذا التأثير لدى المقاتلين الحوثيين تحديدا مسألة تحتاج إلى دراسة ميدانية، إذ إن التأثير الطبي المعروف لا يكفي وحده لإثبات نتيجة عسكرية. وللقات وجه اقتصادي يزيد الصورة تعقيدا. فقد وثق مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية فرض السلطات الحوثية رسوما بلغت 20 في المئة من قيمة شحنة قات نُقلت إلى صنعاء عام 2021. وهكذا تتداخل العادة الاجتماعية مع الجباية ومصالح اقتصاد الحرب، في بلد تستنزف فيه زراعة القات جزءا مهما من موارده المائية. وهذا التداخل يجعل دراسة القات أوسع من مجرد البحث في تأثيره على الفرد.
قد تبدو أوراق القات تفصيلا صغيرا أمام الصواريخ والمسيّرات، لكن فهم حياة المقاتل يقتضي النظر إلى عاداته اليومية، وما تتركه في جسده ونفسيته بعد سنوات من الاعتياد. فالمقاتل الذي يستعين بمادة منبهة على السهر والتعب قد يعتاد آثارها حتى يصعب عليه تقدير قدرته الطبيعية على التحمل. وهنا تكمن المفارقة: قد يعرف المقاتل حدود سلاحه بدقة، ويجهل حدود القوة التي يستعيرها من عاداته. فماذا سيكتشف عن نفسه حين تغيب تلك الأوراق التي ألف وجودها حتى حسب أثرها جزءا من طبيعته؟

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.