راديو غراف
كنت تحسب إنك بترتاح؟

كنت تحسب إنك بترتاح؟
فيصل مرعي الكثيري
يحتفظ أحدهم في هاتفه بصورة منزل يحلم بامتلاكه. يعود إليها كلما ضاقت به شقته، ويتخيل موضع الأثاث، ولون الجدران، والصباح الذي سيستيقظ فيه تحت سقف يملكه. وكلما أثقلته مشكلات الحياة حدث نفسه بأن كثيرا من متاعبه سينتهي حين يصبح له بيت خاص. تمر السنوات، ويجمع المال، ثم يأتي اليوم المنتظر. يشتري منزله، ويستلم المفاتيح، ويفرح، ويدعو أصدقاءه، ويلتقط الصور. وبعد أشهر يصبح البيت جزءا عاديا من حياته. يخرج منه إلى العمل، ويعود إليه متعبا، ويتذمر أحيانا من فاتورة الكهرباء أو عطل في جهاز التكييف. لقد تحقق ما كان يتمناه، وتحسنت ظروف سكنه، وأصبح لديه البيت الذي طالما تخيله. فلماذا خفتت تلك الفرحة التي كانت تغمره حين يتصور امتلاكه؟ ولماذا اكتشف أن بعض المتاعب التي توقع انتهاءها انتقلت معه إلى منزله الجديد؟
قد نقول إن الإنسان يعتاد الأشياء، وهذا صحيح إلى حد بعيد. فالدهشة تتراجع حين يصبح الجديد مألوفا. لكن الاعتياد يفسر خفوت الفرحة، ويترك سؤالا أكثر إثارة: من أين جاءت كل تلك السعادة التي توقع صاحبنا أن يجدها داخل البيت؟ وهل كان ينتظر امتلاك منزل، أم كان يتخيل حياة كاملة تبدأ يوم يستلم مفاتيحه؟
حين نفحص رغباتنا نجد أننا نضيف إلى الأشياء التي نريدها وعودا تتجاوز طبيعتها. فالبيت يصبح في خيالنا ضمانا للاستقرار النفسي، والترقية وعدا بالتقدير، والزواج نهاية متوقعة للوحدة، والمال وسيلة نتصور أنها ستحمينا من معظم مخاوف الحياة. ومع مرور الوقت يصعب علينا التمييز بين حاجتنا إلى الشيء وما أضفناه إليه من توقعات. وحين نحصل عليه، نجد أنه أدى وظيفته الحقيقية، بينما بقيت بعض الوعود التي صنعناها حوله تنتظر التحقيق.
تأمل الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور هذه الطبيعة الإنسانية، ورأى أن الحياة تتأرجح كالبندول بين الألم والملل. فالإنسان يعاني حين تعترض العوائق رغباته، ويشعر براحة مؤقتة حين يشبعها، ثم يجد نفسه أمام فراغ جديد، أو رغبة أخرى تستدعيه إلى السعي. وفي هذا التصور التشاؤمي تبدو النفس منشغلة بما ينقصها أكثر من انشغالها بما تملك، حتى إن الشيء الذي استهلك سنوات من الانتظار قد يفقد جانبا كبيرا من جاذبيته بمجرد الحصول عليه.
غير أن حياتنا تكشف أن المسألة أعقد من مجرد ملل يعقب تحقيق الرغبة. فصاحب البيت قد يفقد حماسته الأولى، ويظل مسكنه الجديد يمنحه راحة وأمانا أكبر. والموظف الذي ارتفع راتبه قد يعتاد دخله الجديد، وتظل أحواله المعيشية أفضل مما كانت عليه. هناك فرق بين انطفاء نشوة الإنجاز وفقدان قيمته. وقد تظل النعمة حاضرة في تفاصيل حياتنا حتى حين نتوقف عن التفكير فيها.
تظهر المشكلة حين نطالب الأمنية بأن تعالج مشاعر لا ترتبط بها ارتباطا مباشرا. تأمل موظفا أمضى سنوات ينتظر الترقية، وكان يتصور أن المنصب الجديد سيمنحه التقدير الذي افتقده، وأن الراتب الأعلى سيحرره من القلق. وحين حصل على ما يريد، فرح أياما، ثم اكتشف أن لديه رئيسا جديدا يصعب إرضاؤه، ومسؤوليات أكثر، وزميلا يتقاضى راتبا أعلى. وبعد أشهر بدأ يحدث نفسه عن الترقية التالية، وكأن المنصب الذي كان يتمناه أصبح محطة في طريق لا يعرف نهايته.
قد يكون طموحه مشروعا، وربما اكتشف بعد الترقية فرصا جديدة تستحق السعي. لكن ماذا لو كان يبحث في المنصب عن شعور بقيمته الشخصية؟ عندئذ تصبح الترقية مطالبة بالإجابة عن سؤال يتجاوز حدود الوظيفة. فهي تستطيع تحسين وضعه المهني، وقد تمنحه تقديرا مستحقا، لكنها قد تعجز عن إشباع حاجته المستمرة إلى إثبات أهميته لنفسه وللآخرين.
والأمر يتجاوز المناصب والممتلكات. فالإنسان قد يتعلق بأمنيته لأنها تمنحه تفسيرا مريحا لعدم رضاه عن حياته. يعرف سبب تعبه، ويحدد لنفسه موعدا افتراضيا للراحة. يقول إنه سيهتم بصحته حين تتحسن ظروف عمله، وسيمنح أسرته وقتا أطول حين ينتهي من مشروعه، وسيبدأ الاستمتاع بالحياة حين يوفر مبلغا معينا. وهكذا تتحول الأمنية إلى موعد مؤجل مع حياة يتصور أنها ستكون مختلفة. ثم يأتي الوقت الذي طال انتظاره. تتحسن الظروف، وينتهي المشروع، ويتوافر المال. يكتشف عندها أنه ما زال يؤجل الاهتمام بصحته، وأن علاقته بأسرته تحتاج إلى جهد لم يعتد بذله، وأن القلق الذي كان ينسبه إلى ضيق المال وجد أسبابا جديدة للبقاء. لقد تغيرت أشياء كثيرة حوله، وبقيت بعض طرائق عيشه على حالها.
هنا تظهر مفارقة ربما كانت أشد إيلاما من خيبة الأمنية نفسها. فقد أمضى سنوات وهو يعتقد أن تحقيقها سيحرره من مشكلاته، ثم اكتشف أن انتظارها كان يمنحه أيضا عذرا لتأجيل مواجهة بعضها. وطوال تلك السنوات كان يستطيع أن يقول لنفسه: سأرتاح حين أصل. أما وقد وصل، فقد أصبح السؤال أكثر إحراجا: ما الذي يمنعك الآن؟
هذا السؤال ثقيل؛ لأنه يعيد إلى الإنسان مسؤولية كان قد وضع جزءا منها في المستقبل. وربما يفسر اندفاع بعض الناس إلى هدف جديد فور تحقيق هدف سابق. فالهدف القادم يعيد ترتيب الأيام، ويمنح التعب معنى، ويتيح تأجيل الأسئلة التي ظهرت بعد الوصول. وهكذا يمكن أن يقضي المرء سنوات ينتقل من أمنية إلى أخرى، وهو مقتنع بأن المسافة المتبقية هي سبب تعبه، دون أن ينتبه إلى أثر الطريقة التي اعتاد أن يعيش بها أثناء قطع تلك المسافة.
لكن الانتقال من هدف إلى آخر قد يكون أيضا تعبيرا عن حيوية الإنسان وفضوله وحبه للتعلم. فهناك من يجد في السعي نفسه متعة تفوق فرحة الوصول، ومن تتسع خبراته وقدراته كلما حقق إنجازا وبدأ تجربة جديدة. ولهذا يستحق أن نتأمل طبيعة الرغبة نفسها، وما إذا كانت توسع حياة صاحبها، أم تجعل رضاه معلقا دائما بما ينتظر تحقيقه.
يحضر هنا الفيلسوف باروخ سبينوزا، الذي ربط الرغبة بطبيعة الإنسان وسعيه إلى المحافظة على وجوده وتعزيز قدرته على الفعل. وقد اهتم بفهم الأسباب التي تحرك رغباتنا وانفعالاتنا، والتمييز بين ما نصدر فيه عن فهم لطبيعتنا وظروفنا، وما ننقاد فيه إلى مؤثرات خارجية لا ندرك أثرها علينا إدراكا كافيا. فالرغبة عنده تتصل بما يزيد قدرة الإنسان على الفعل، وبمدى فهمه للقوى التي توجه سلوكه.
ولنأخذ الكتابة مثالا. قد يقضي كاتب أياما في تطوير فكرة تشغله، يقرأ ويحذف ويعيد النظر، ويشعر بالمتعة كلما اكتشف علاقة جديدة بين الأشياء. وحين ينتهي من مقاله يفرح، ثم يبدأ التفكير في فكرة أخرى. وفي المقابل، قد يقضي كاتب آخر معظم وقته مترقبا لحظة النشر، ثم يراقب أعداد القراء والإعجابات، ويشعر بخيبة إذا جاءت أقل مما توقع. كلاهما يسعى إلى إنجاز مقال جيد، وكلاهما قد يهتم باستجابة القراء، لكن الأول يجد جانبا من رضاه في ممارسة الكتابة نفسها، بينما يترك الثاني قدرا أكبر من رضاه رهنا بما سيقوله الآخرون عنه.
ومن المهم هنا ألا ننسب جميع مشكلات الإنسان إلى توقعاته. فالجائع يحتاج إلى الطعام، والمريض إلى العلاج، ومن يعيش في خوف يحتاج إلى الأمان. وقد يؤدي تحسن الظروف المادية والاجتماعية إلى تغيير عميق في حياة الناس. لكن امتلاك المال لا يحسم وحده سؤال القيمة الشخصية، والزواج لا يعالج بالضرورة كل أسباب الوحدة، والنجاح المهني لا يضمن راحة النفس. لكل إنجاز أثره وحدوده، وتبدأ الخيبة حين ننتظر منه ما يقع خارج قدرته.
وأعود إلى صاحب البيت الذي بدأنا معه المقال. ربما كان منزله الجديد أجمل مما توقع، وربما تحسنت حياته فيه كثيرا. لكن حين كان يتأمل صورته القديمة، كان يتخيل أيضا الرجل الذي سيصبح عليه بعد امتلاكه. كان يراه أكثر اطمئنانا، وأقل قلقا، وأكثر قدرة على الاستمتاع بأيامه. وربما ظن أن الباب الذي سيفتحه بمفتاح البيت الجديد سيغلق خلفه أبوابا كثيرة من القلق القديم.
وحين فتح باب البيت أخيرا، دخل إليه الرجل نفسه، بمخاوفه وعاداته وأسئلته القديمة.
