راديو غراف

اللي ما يفهمك.. اتركه وارحل

اللي ما يفهمك.. اتركه وارحل

فيصل مرعي الكثيري 

أغرب ما يحدث في بعض الحوارات أنك تدخلها مثقلا بشيء، وتخرج منها مثقلا بشرحه. تذهب إلى شخص قريب لتحدثه عما أوجعك، فينشغل بإقناعك بأن الأمر لا يستحق كل هذا الوجع. تعيد الشرح، فيزداد تمسكا بتفسيره، حتى تكتشف أنك أمضيت نصف ساعة تدافع عن شعورك، وأن الحديث الذي قصدت منه شيئا من الراحة أصبح سببا إضافيا لتعبك. تغادر وفي رأسك عبارة نرددها كثيرا: ((اللي ما يفهمك.. اتركه وارحل)). تبدو النصيحة مريحة، خصوصا حين يطول الشرح ويضيق الصدر. لكنني أتوقف عند كلمة ((يفهمك)). ماذا نريد من الآخرين حين نطالبهم بفهمنا؟ هل نريد أن يدركوا ما نشعر به، أم أن يوافقونا على تفسيرنا لما حدث؟ وأين ينتهي الاختلاف في الرأي ويبدأ العجز عن فهم الإنسان الذي أمامنا؟
لنفترض أنك أخبرت صديقك بأن زميلا تعمد إهانتك أمام الآخرين. استمع إليك، ثم سألك إن كنت متأكدا من قصده، وأشار إلى احتمال أنك أسأت تفسير كلامه. قد تغضب وتشعر بأنه لم يقف إلى جانبك، مع أنه ربما فهم غضبك جيدا، واختلف معك في الحكم على نية زميلك. فالشعور بالأذى تجربة عشتها بالفعل، أما معرفتك بما قصده الآخر فتظل قابلة للمراجعة. وقد تكون المشكلة في توقيت السؤال؛ فالإنسان الذي جاء يبحث عن المواساة يحتاج أحيانا إلى من يسمعه قبل أن يناقشه. حتى السؤال الوجيه قد يصبح جارحا حين يسبق الإصغاء.
والأمر يزداد تعقيدا حين نتذكر أننا لا نفهم أنفسنا دائما كما نظن. قد تغضب من كلمة عابرة، وتظل مقتنعا بأن قائلها تجاوز حدوده، ثم تكتشف بعد زمن أنها مست خوفا قديما أو أعادت إليك إحساسا بالإهانة عشته في موقف سابق. نحن نعرف ما نشعر به، لكننا قد نجهل بعض الأسباب التي صنعت شعورنا. وإذا كنا نحتاج أحيانا إلى سنوات لنفهم أنفسنا، فكيف نطالب الآخرين بأن يعرفوا من حديث واحد ما تأخرنا نحن في اكتشافه؟
خذ مثلا تلك العبارة الشهيرة: ((ما في شيء)). نقولها حين يلاحظ أحدهم تغير مزاجنا، ثم نحزن لأنه صدقنا ومضى. كنا نريده أن يسأل مرة ثانية، وأن يلاحظ الحزن المختبئ وراء صوتنا، وأن يستخرج منا ما أخفيناه بإرادتنا. لماذا نفعل ذلك؟ لأننا نريد أحيانا أن نشعر بأننا مهمون إلى درجة تجعل الآخرين ينتبهون إلينا من تلقاء أنفسهم. فالاهتمام الذي نطلبه صراحة يبدو لنا أقل قيمة من اهتمام يأتي دون طلب. وهكذا نحول محبتهم إلى امتحان سري، ثم نغضب حين يعجزون عن اجتيازه. وقد يحدث أن يعرفنا بعض الناس منذ سنوات، حتى يصبح طول المعرفة عائقا أمام فهمنا. يحتفظون بصورة قديمة عنا، ويفسرون كل تصرف جديد على ضوئها. إذا أصبحت أكثر هدوءا قالوا إنك تغيرت، وإذا بدأت تضع حدودا لعلاقاتك اتهموك بالتكبر، وإذا رفضت أمرا اعتدت الموافقة عليه ظنوا أن أحدا أثر فيك. كأنهم يعرفون الشخص الذي كنت عليه، ويطالبون الشخص الذي أصبحت عليه بتفسير هذا الاختلاف. وربما نفعل نحن الشيء نفسه مع من نحب؛ فنتمسك بصورهم القديمة لأن الاعتراف بتغيرهم يفرض علينا تغيير طريقة تعاملنا معهم. ومن المريح أحيانا أن نظن أننا نعرف إنسانا، بدلا من أن نتحمل مشقة التعرف إليه من جديد.
لكن سوء الفهم يصبح أشد إيلاما حين يتحول إلى إصرار على تفسير مشاعر الآخرين نيابة عنهم. تخبر شخصا أن تصرفه أزعجك، فيحدثك عن حساسيتك الزائدة. تقول إنك تحتاج إلى بعض العزلة، فيتهمك بالجفاء. تشرح له ما تقصده، فيعود إلى تفسيره الأول كأن شيئا لم يقل. ربما يخشى الاعتراف بأنه أوجعك؛ لأن هذا الاعتراف سيضعه أمام مسؤولية مراجعة سلوكه. وقد يكون مقتنعا بتفسيره فعلا. وفي الحالتين يصبح الحوار مرهقا حين يصر أحد الطرفين على أنه أعرف من صاحبه بما يشعر به وما يقصده. وهنا يظهر فرق يستحق الانتباه. يستطيع إنسان أن يختلف مع تفسيرك، ويظل حريصا على فهمك، فيسأل ويصغي ويراجع رأيه حين تظهر له تفاصيل جديدة. ويستطيع آخر أن يوافقك في كل شيء كي ينهي الحديث دون أن يفهم ما تقوله. لذلك لا تكفي الموافقة دليلا على الفهم، ولا يصلح الاختلاف دليلا على غيابه. الاختبار الحقيقي يظهر حين تختلف رؤيتكما للأمر نفسه: هل يبقى بينكما متسع للسؤال والمراجعة، أم يتحول الحديث إلى معركة يريد كل طرف أن يخرج منها منتصرا؟
تبدأ العلاقة في فقدان راحتها حين تصبح مضطرا إلى مراقبة كل كلمة، وحساب أثر كل صمت، والبحث عن صياغة لا تثير سوء الظن. وقد تستمر الزيارات والمجاملات، بينما تتراجع العفوية التي كانت تجعل حضور الآخر مريحا. عندئذ يصبح الابتعاد خيارا مفهوما، وقد يكفي تخفيف القرب أو تقليل التوقعات. فبعض الناس نحبهم، لكن قدرتهم على فهم جوانب معينة منا محدودة. أما من يصر على إبطال مشاعرك كلما حاولت شرحها، فقد يجعل استمرار القرب منه استنزافا لا تحتمله المودة وحدها.
وثمة وجه آخر يستحق التأمل. تخيل صديقا يعرفك جيدا، يلاحظ أنك تغضب كلما تأخر أحد في الرد على رسائلك، ثم يقول لك إن ما يزعجك ربما يتجاوز مسألة التأخير إلى خوفك من أن تفقد أهميتك عند الناس. قد تضيق بملاحظته وتتهمه بأنه لا يفهمك. لكن ماذا لو انتبه إلى شيء ظل غائبا عنك؟ وماذا لو كان مخطئا، وأسقط عليك تفسيرا يخص تجاربه هو؟ كلا الاحتمالين وارد، وقد يصعب علينا التمييز بينهما ونحن تحت وطأة الانفعال.. فالانزعاج يكشف لنا أثر الكلام في نفوسنا، لكنه لا يخبرنا وحده عن مقدار صحته.
أعود إلى العبارة التي بدأ منها الحديث: ((اللي ما يفهمك.. اتركه وارحل)). لا أميل إلى اتخاذ الرحيل جوابا لكل سوء فهم؛ فالاختلاف بين الناس أوسع من أن تعالجه نصيحة واحدة. ما يعنيني في العلاقة هو استعداد الإنسان لأن يسمعني، وأن يسمح لما يسمعه بتغيير شيء من تصوراته عني. قد يختلف معي ويظل قريبا إلى نفسي، وقد يوافقني في كل شيء وأشعر معه بالغربة. أما من يصر على تفسير مشاعري نيابة عني، ويرفض مراجعة أحكامه مهما حاولت توضيحها، فإن الابتعاد عنه يصبح خيارا يستحق التفكير. فالمشكلة عندئذ تتجاوز سوء الفهم إلى غياب الرغبة في تجاوزه.
ولعل أصعب ما في العلاقات الإنسانية أننا نريد أن يرانا الآخرون على حقيقتنا، ثم نخاف أحيانا مما قد يرونه. نبحث عمن يعرفنا جيدا، ونطمئن إلى قربه، حتى إذا قال عنا شيئا يخالف الصورة التي نحملها لأنفسنا، شعرنا بأن معرفته تجاوزت الحدود التي نرتاح إليها. وقد يكون مخطئا فيما رآه، وقد يكون قد لمح شيئا عجزنا عن ملاحظته. وبين الاحتمالين يقف سؤال يستحق أن نصطحبه معنا قبل أن نغادر: هل أتعبنا لأنه عجز عن رؤيتنا كما نحن، أم لأنه رأى فينا شيئا كنا نفضل ألا يراه أحد؟

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.