عقل على مقاس تغريدة

عقل على مقاس تغريدة
فيصل مرعي الكثيري
يقول لي بعض القراء إن مقالاتي أصبحت طويلة، وينصحونني بالاختصار، وبعضهم يطلب مني أن أقدم له ((الزبدة)) وأريحه من التفاصيل. أتفهم هذه الملاحظة، وأعرف أن بعض المقالات تحتمل الحذف دون أن تخسر شيئا من معناها. لكنني بدأت أتساءل عن أمر آخر يتجاوز طول المقال وقصره: ماذا يحدث لعقل اعتاد سنوات طويلة أن يتلقى الأفكار في جملتين أو ثلاث، ثم ينتقل إلى غيرها قبل أن يمنح نفسه فرصة للتفكير فيما قرأ؟
ألاحظ أن كثيرا منا أصبح يقضي وقتا طويلا يتنقل بين التغريدات والمنشورات. نقرأ رأيا في السياسة، ثم حكما على سلوك اجتماعي، ثم نصيحة في التربية، وبعدها طرفة أو خبر مثير. وفي كل مرة ننتقل إلى موضوع جديد، ونترك السابق دون أن نستكمل التفكير فيه. والغريب أن ساعة كاملة قد تمر على هذا النحو دون أن نشعر بثقلها، بينما تبدو عشر دقائق مع مقال واحد امتحانا للصبر. وقد يكون المقال ضعيفا أو مملا، لكن ماذا لو أصبحنا نشعر بالملل من كل فكرة تحتاج إلى شيء من التمهل؟
أعتقد أن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الطريقة في القراءة إلى عادة يومية راسخة. فالإنسان يعتاد ما يكرره، ومع مرور الوقت قد يجد نفسه ميالا إلى المعلومة السريعة، نافرا من الشرح الطويل، مستعجلا النتيجة قبل أن يفهم مقدماتها. وحين يقرأ مقالا يناقش قضية من جوانبها المختلفة، يشعر أن الكاتب يدور حول الفكرة، بينما يكون الكاتب في بعض الأحيان منشغلا بتفسيرها ومناقشة الاعتراضات عليها. وهكذا قد يصبح ما اعتدناه في القراءة معيارا نحكم به على ما نقرأ.
خذ مثلا تغريدة تقول إن الشدة في التربية تصنع رجالا أقوياء. قد يوافق عليها المئات، ويعيدون نشرها، ثم تأتي تغريدة أخرى تقول إن الشدة تدمر شخصية الطفل، فيوافق عليها مئات آخرون. وكل فريق يجد في العبارة ما يؤيد موقفه. لكن أين الحديث عن معنى الشدة، والفرق بين الحزم والقسوة، واختلاف الأطفال والظروف، والنتائج التي يمكن الاستناد إليها؟ هذه التفاصيل هي التي تساعدنا على فهم القضية. أما العبارات القصيرة فقد تدفعنا أحيانا إلى تبني أحكام متعارضة دون أن ننتبه إلى أسباب التعارض.
والأخطر عندي أن الاعتياد على هذا النوع من القراءة قد يؤثر في طريقة مناقشتنا للآخرين. فمن يتلقى الآراء في صورتها النهائية، دون أن يتتبع الحجج التي أنتجتها، قد يصبح أسرع إلى الموافقة أو الرفض. يكفي أن تعجبه عبارة حتى يتبناها، أو تستفزه كلمة حتى يهاجم صاحبها. وحين تطلب منه تفسير موقفه، ربما أعاد العبارة نفسها بصياغة أخرى. لقد حفظ النتيجة، لكنه لم يتعرف إلى الطريق الذي أوصل إليها.
وقد يقول قائل إن التغريدة تستطيع أن تحمل فكرة عميقة، وإن بعض الكتب الطويلة لا تقدم ما يستحق القراءة. وهذا اعتراض وجيه. كم من عبارة قصيرة فتحت أمام قارئها بابا واسعا للتفكير، وكم من صفحات استهلكت وقتنا دون فائدة تذكر. لهذا لا أرى أن عدد الكلمات يكشف وحده عن قيمة المعرفة. المسألة تتعلق بما نفعله بعد القراءة: هل نتوقف لنسأل ونفحص ونقارن، أم نكتفي بما وصل إلينا ونمضي إلى العبارة التالية؟ تستطيع التغريدة أن تكون بداية تفكير طويل، لكن الإدمان على الانتقال المستمر قد يجعل هذه البداية نهايته.
وما يستوقفني أن آثار هذه العادة قد لا تظهر بصورة مفاجئة. فالمرء يستطيع القراءة والفهم، ويواصل متابعة الأخبار والتعليقات، وربما يزداد اطلاعه على ما يتداوله الناس. لكنه قد يلاحظ بمرور الوقت أن صبره على كتاب يتناقص، وأن ذهنه يطلب الانتقال إلى شيء آخر كلما احتاجت الفكرة إلى متابعة. يقرأ فقرة، ثم يتفقد هاتفه، ويعود إلى الفقرة نفسها، وربما يضطر إلى قراءتها مرة أخرى. وهنا ينبغي أن نسأل: هل أصبح النص أكثر صعوبة، أم أن قدرتنا على ملازمة الفكرة بدأت تتأثر بعاداتنا اليومية؟
ولا أزعم أن التغريدات وحدها مسؤولة عن ضعف التركيز أو الفهم، فهناك عوامل كثيرة تؤثر في عادات القراءة، من ضغوط الحياة إلى طبيعة المحتوى نفسه. لكنني أرى أن الاعتياد على التنقل السريع بين موضوعات متباعدة يستحق المراجعة، خصوصا حين يصبح القارئ عاجزا عن الاستمرار في نص يحتاج إلى متابعة متصلة. فالفهم العميق يتطلب أحيانا أن نتذكر ما قيل في البداية، ونربطه بما جاء بعده، ثم نراجع النتيجة في ضوء الحجج كلها. وهذه عملية يصعب إتمامها إذا كنا نستعجل الانتقال عند أول شعور بالملل.
أما موقفي الشخصي، فلا أرى مشكلة في قراءة التغريدات أو الاستفادة من المختصرات، وأستخدمهما كما يستخدمهما غيري. ما أخشاه هو أن تتحول الوسيلة السريعة إلى الطريقة الوحيدة التي نطلب بها المعرفة، فنفقد بالتدريج صبرنا على الأفكار التي تحتاج إلى وقت. ولهذا سأظل أراجع مقالاتي وأحذف منها ما لا يخدم الفكرة، وأحتفظ بما تحتاج إليه الحجة حتى تكتمل.
وأخشى أن نصل يوما إلى عقل يستطيع متابعة مئات الآراء في ساعة واحدة، ثم يعجز عن متابعة رأي واحد حتى نهايته.
كاتب رأي
