كُتاب الرأينحن طويق

ماذا بعد قشم / 2

ماذا بعد قشم / 2

رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .

السبت الموافق ( 7 ) نوفمبر ( 2026 )م .

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( ما استدام البغي إلا واستدعى هلاكه وما تمادى العدوان إلا وصنع أسباب انكساره وما استحكم التعنت في عقول الطغاة إلا وأعماهم عن الهاوية التي يسيرون إليها وإن النظام الإيراني بسياساته الهجومية السافرة وتهديداته لأمن الدول والملاحة الدولية إنما يستدعي على نفسه عواقب وخيمة فالدول لا يبدأ خرابها حين يهزمها أعداؤها وإنما حين يخدعها غرورها وتتوهم أن الإصرار على الباطل شجاعة بينما هو استدراج إلى الهلاك . )

لم تعد جزيرة قشم الإيرانية مجرد موقع جغرافي عند مضيق هرمز بل أصبحت نقطة مهمة في قراءة احتمالات استئناف المواجهة العسكرية الأمريكية مع النظام الإيراني. فقد أثارت التقارير عن سقوط صاروخين على الجزيرة يوم أمس الجمعة تساؤلات عملياتية جديدة في أزمة تتقاطع فيها التحركات الدبلوماسية مع الضربات العسكرية المحدودة.

واستكمالا للمقال السابق ( ماذا بعد قشم؟ ) فإن أهمية التطور الأخير لا تتحدد بعدد الصواريخ أو حجم الانفجارات وإنما بتوقيت الحادث وموقعه ودلالاته المحتملة على طبيعة المرحلة المقبلة.

وقد أعلن الرئيس / ترامب تنفيذ ضربات أمريكية محدودة ضد منظومات دفاع جوي إيرانية فيما أفادت التقارير الواردة من الجزيرة بسماع انفجارات في منطقة سوزا. ورغم تقارب توقيت هذه التطورات فإن الربط التفصيلي بين الإعلان الأمريكي وجميع المقذوفات المبلغ عنها وتحديد الأهداف المصابة وحجم الأضرار لا يزال يتطلب تأكيدا مستقلا.

أولا : قشم والدلالة العملياتية للقصف .

تستمد قشم أهميتها الاستراتيجية من موقعها بمحاذاة مضيق هرمز وقربها من المنشآت الساحلية ومناطق انتشار القدرات البحرية والدفاعية الإيرانية. ولذلك فإن أي استهداف عسكري فيها يستدعي دراسة انعكاساته على أمن الملاحة وقدرات المراقبة والإنذار والاعتراض.

وتكتسب الضربات الأمريكية المعلنة أهمية إضافية عند ربطها بالعمليات المحدودة التي نفذتها الولايات المتحدة على الجزيرة يوم الاثنين الماضي والتي وصفها مسؤولون أمريكيون بأنها إجراءات دفاعية في مواجهة تهديدات صاروخية مضادة للطائرات.

ومن الناحية العملياتية فإن استهداف منظومات الدفاع الجوي قد يرتبط بمفهوم [ إخماد الدفاعات الجوية المعادية SEAD ] الذي يهدف إلى تقليص قدرتها على اكتشاف الطائرات المهاجمة أو الاشتباك معها. أما [ تدمير الدفاعات الجوية المعادية DEAD ] فيتعلق بإخراج عناصر تلك المنظومات من الخدمة ماديا.

وتشير طبيعة الأهداف التي تحدث عنها الجانب الأمريكي إلى أهمية هذين المفهومين في قراءة التطورات لكن المعلومات العلنية لا تكفي لتحديد النتائج العملياتية الدقيقة لكل ضربة.

ولا يعني إضعاف منظومات الدفاع الجوي أو تدمير بعضها تحقيق التفوق الجوي أو السيادة الجوية بصورة تلقائية إذ يتطلب ذلك تقييما أشمل للقدرات المتبقية ومستوى التهديد واستدامة العمليات والقدرة على حماية الطائرات أثناء تنفيذ مهامها.

ثانيا : هل تتشكل مقدمات حملة جوية أمريكية جديدة؟

لا يكفي تكرار الضربات المحدودة للاستنتاج بأن حملة جوية واسعة أصبحت وشيكة. فالتقدير العسكري يتطلب الجمع بين مؤشرات الانتشار والجاهزية والقرارات السياسية وطبيعة التحركات الدبلوماسية.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين [ الضغط العسكري Military Pressure ] الذي يستخدم القوة أو التهديد بها لتحسين الموقف التفاوضي وبين العمليات التمهيدية لحملة جوية أوسع.

فإذا تزامنت الضربات المحدودة مع توسع واضح في الانتشار الجوي وارتفاع مستوى الجاهزية وتراجع فرص التسوية فقد تصبح فرضية التصعيد أكثر قوة. أما استمرار الضربات دون تغير جوهري في هذه المؤشرات فقد يعكس سياسة ضغط عسكري محدود تهدف إلى تقليص التهديدات المباشرة وتعزيز الموقف التفاوضي.

وتشمل المجالات العامة التي قد تتناولها أي حملة جوية محتملة القدرات الصاروخية ومنظومات الدفاع الجوي ومراكز القيادة والسيطرة والمنشآت العسكرية المرتبطة بالبرنامج النووي.

غير أن نجاح العمليات الجوية في تعطيل قدرات محددة لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية أو منع إعادة بناء تلك القدرات لاحقا.

ثالثا : الرئيس / ترامب وحسابات القرار العسكري .

تكتسب تصريحات الرئيس / ترامب بشأن استمرار الاتصالات مع إيران أهمية خاصة لأنها جاءت متزامنة مع إعلان تنفيذ ضربات عسكرية محدودة ضد دفاعاتها الجوية.

ويثير هذا التزامن تساؤلا استراتيجيا بشأن ما إذا كانت العمليات تمثل اختبارا لحدود الردع المتبادل أو وسيلة لرفع مستوى الضغط خلال المفاوضات.

وقد يعكس الجمع بين الضربات المحدودة واستمرار الاتصالات السياسية توجها أمريكيا يقوم على [ التفاوض تحت الضغط العسكري ] بهدف تحسين شروط التسوية دون الالتزام المسبق بخوض حملة واسعة.

غير أن هذا التفسير يظل احتمالا تحليليا ولا يكفي التزامن وحده لإثبات وجود خطة أمريكية معلنة للانتقال من الضربات المحدودة إلى حرب شاملة.

وتشكل المرحلة القريبة نافذة سياسية وعسكرية مهمة لمراقبة نتائج الوساطات وما قد يصاحبها من قرارات أمريكية دون وجود أساس موثق لاعتماد الأسبوعين المقبلين موعدا رسميا لبدء العمليات.

وفي الداخل الأمريكي أضافت نتائج انتخابات التجديد النصفي اعتبارات جديدة تتعلق بتوازن القوى داخل الكونغرس وتكاليف الحرب وارتفاع أسعار الوقود وأعباء المعيشة.

وتتوقف الآثار التشريعية المباشرة للنتائج على التشكيل النهائي للمجلسين وعلى مباشرة الأعضاء المنتخبين صلاحياتهم مع انعقاد الكونغرس الجديد في يناير 2027.

ويمتلك الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة في إدارة العمليات العسكرية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة لكن الكونغرس يحتفظ بصلاحيات دستورية مهمة تتعلق بإعلان الحرب والتمويل والرقابة التشريعية.

وعليه فإن اتخاذ قرار بعملية محدودة يختلف سياسيا وقانونيا عن الانخراط في حرب طويلة تتطلب موارد إضافية وتحملا مستمرا للخسائر والتداعيات الاقتصادية.

رابعا : تعنت النظام الإيراني وتضخم المخاطر .

إن استمرار النظام الإيراني في سياساته الهجومية السافرة وتهديداته لأمن الملاحة وتوظيف الجماعات المسلحة المرتبطة به في الصراعات الإقليمية يزيد صعوبة الوصول إلى تسوية مستقرة.

وتتفاقم هذه المخاطر عندما تتحول المطالب السياسية إلى شروط متصلبة تعرقل التفاهمات العملية وتدفع الأطراف نحو خيارات أكثر كلفة.

وقد يحقق التصعيد مكاسب تفاوضية مؤقتة لكنه قد يفضي كذلك إلى استنزاف القدرات العسكرية وتراجع النشاط الاقتصادي وتزايد الضغوط الداخلية.

ولا يمكن فصل هذه الحسابات عن أنشطة مجاميع الحوثيين الإرهابية وتهديداتها للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وما قد يترتب عليها من اتساع نطاق التوتر.

وتكمن المعضلة الاستراتيجية في أن النظام الإيراني قد يرفع سقف التهديد بهدف ردع خصومه بينما يؤدي سوء تقدير ردود أفعالهم إلى نتائج معاكسة تماما.

خامسا : مضيق هرمز والاقتصاد العالمي .

لا تقتصر أهمية مضيق هرمز على موقعه الجغرافي بل تتصل بحجم التجارة الدولية وإمدادات الطاقة التي تمر عبره.

وأي اضطراب ممتد في حركة السفن قد يرفع تكاليف التأمين والشحن ويؤثر في أسعار النفط والغاز ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

وتصبح النتائج أشد تعقيدا إذا امتدت المخاطر إلى الخليج العربي وبحر العرب وجنوب البحر الأحمر حيث تتداخل مسارات التجارة والطاقة مع التوترات الأمنية.

ولهذا فإن استمرار الجهود الدبلوماسية القطرية والباكستانية والاتصالات الإقليمية يكتسب أهمية تتجاوز منع المواجهة العسكرية إلى حماية المصالح الاقتصادية للدول والشعوب.

وتشير التطورات الدبلوماسية الأخيرة إلى استمرار بحث مقترحات لتقريب المواقف الأمريكية والإيرانية رغم بقاء خلافات جوهرية بشأن البرنامج النووي والعقوبات والترتيبات المتعلقة بمضيق هرمز.

سادسا : عامل الزمن ومؤشرات المرحلة المقبلة .

تتجه الأنظار خلال المرحلة القريبة إلى ثلاثة مسارات محتملة.

الأول: نجاح الاتصالات السياسية في الوصول إلى تفاهم مرحلي يخفف حدة التوتر ويفتح المجال أمام مفاوضات أوسع.

الثاني: استمرار الضربات المحدودة والعقوبات والتهديدات العسكرية دون الانتقال إلى حرب واسعة مع توظيف الضغط العسكري لتحسين شروط التفاوض.

الثالث: انهيار المفاوضات أو وقوع حادث عسكري كبير يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات الجوية والصاروخية.

ومن الناحية التحليلية فإن [ مؤشرات الإنذار المبكر Early Warning Indicators ] التي تستحق المتابعة تشمل تغير طبيعة الانتشار العسكري ومستويات الجاهزية وصدور تحذيرات أمنية استثنائية وتعثر الوساطات وارتفاع وتيرة الحوادث العسكرية.

ولا يكفي ظهور مؤشر منفرد للحكم بقرب الحرب بل تزداد أهمية التقدير عندما تتزامن مؤشرات متعددة وتتجه نحو نتيجة واحدة.

وتبقى فرضية استمرار العمليات المحدودة أكثر اتساقا مع طبيعة الضربات المعلنة حتى الآن من افتراض الانتقال الفوري إلى حملة شاملة مع بقاء احتمال التصعيد الأوسع قائما إذا تدهورت الظروف السياسية والعسكرية.

وتكمن الخطورة الأكبر في احتمال أن يفسر أحد الطرفين ضبط النفس باعتباره ضعفا أو يفسر الآخر الضربة المحدودة باعتبارها بداية حرب شاملة فتتحول إجراءات الردع المتبادل إلى سلسلة من القرارات التصعيدية التي تتجاوز النيات الأصلية للطرفين.

الخاتمة .

إن السؤال الذي تطرحه قشم اليوم لم يعد متعلقا بقدرة الولايات المتحدة على استئناف الضربات الجوية فقد أثبتت التطورات الأخيرة استمرار استخدامها للقوة المحدودة وإنما بمدى استعدادها للانتقال إلى عمليات أوسع وتحمل نتائجها العسكرية والسياسية والاقتصادية.

كما يرتبط مستقبل الأزمة بمدى إدراك النظام الإيراني للحدود الفاصلة بين ممارسة الضغط والمغامرة بمصالح الدولة واستقرار المنطقة.

{ فالقدرة على إشعال المواجهة لا تعني القدرة على التحكم في نهايتها } وهي حقيقة استراتيجية تتضاعف أهميتها عندما تتزامن الضربات العسكرية مع مفاوضات لم تبلغ بعد مرحلة التسوية.

إن قشم لم تكشف بعد موعد الحرب المقبلة لكنها كشفت هشاشة المسافة الفاصلة بين التفاوض والتصعيد، فحين تتحول الضربات المحدودة إلى اختبار للإرادات قد تتقدم القرارات العسكرية على فرص التسوية، وتصبح كلفة التعنت أكبر من قدرة أصحابه على تحمل عواقبها.

والله أجل وأعظم وأعلم .

كاتب رأي 

#نحن_طويق

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.