كُتاب الرأينحن طويق

من يعرقل الوساطة ؟

من يعرقل الوساطة ؟

رؤية تحليلية .

السبت الموافق ( 31 ) أكتوبر ( 2026 )م .

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( أخطر أعداء السلام أولئك الذين يجدون في إستمرار الحروب ضمانا لنفوذهم ومصالحهم ، ويخشون أن تنهي التسويات مكاسبهم . )

المقدمة .

أثار تحذير الفريق الركن / أحمد شريف تشودري ، المدير العام لإدارة العلاقات العامة للقوات المسلحة الباكستانية ( ISPR ) ، يوم ( 30 ) أكتوبر من وجود قوى نافذة ترى في استمرار الصراع الأمريكي الإيراني خدمة لمصالحها تساؤلات استراتيجية مهمة ، خصوصا مع إبدائه تفاؤلا حذرا بجهود الوساطة . فمن المستفيد من استمرار الحرب ، ومن يمتلك القدرة والنية لعرقلة السلام ؟

1. المملكة ركيزة السلام الإقليمي .

برز الدور السعودي الكبير في دعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إحلال السلام منذ بواكير المرحلة الأولى للأزمة ، وامتدت اتصالات المملكة الدبلوماسية مع باكستان إلى ما قبل اندلاع الحرب ، ومنها اتصال سمو وزير الخارجية الأمير / فيصل بن فرحان بنظيره الباكستاني / محمد إسحاق دار يوم ( 27 ) فبراير . ومع تطور الأزمة ، واصلت المملكة جهودها السياسية ، واستضافت الرياض الاجتماع الوزاري الرباعي يوم ( 19 ) مارس بمشاركة باكستان وتركيا ومصر ، ثم شاركت في اجتماع إسلام آباد يوم ( 29 ) مارس ، حيث حظيت مبادرة المفاوضات الأمريكية الإيرانية بدعم الوزراء المشاركين .

وتوجت المملكة هذا المسار بموقف رسمي صريح في بيان وزارة الخارجية الصادر يوم ( 8 ) أبريل ، الذي رحب باتفاق وقف إطلاق النار ، وأشاد بجهود رئيس الوزراء الباكستاني / محمد شهباز شريف والمشير / عاصم منير ، وأكد دعم المملكة للوساطة الباكستانية وصولا إلى اتفاق دائم يعالج أسباب زعزعة الأمن والاستقرار ، مع التشديد على إبقاء مضيق هرمز مفتوحا للملاحة الدولية .

وتعزز التعاون الإقليمي بتوقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة وباكستان وتركيا يوم ( 7 ) أغسطس ، برعاية وقيادة صاحب السمو الملكي الأمير / محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء . ثم جاءت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير / خالد بن سلمان بن عبدالعزيز ، وزير الدفاع ، وممثلي دول الاتفاق إلى طهران يوم ( 26 ) أكتوبر دعما للوساطة القطرية الباكستانية ، وتأكيدا لأهمية خفض التصعيد وفتح قنوات التفاوض ومنع تجدد الحرب .

ويجسد هذا النهج رؤية القيادة السعودية في الجمع بين قوة الردع وحكمة الدبلوماسية ، لحماية أمن المقدسات الإسلامية والمملكة ومواطنيها وقواتها المسلحة ومصالحها الحيوية ، وصون سيادة الدول وأمن الممرات البحرية ، وتعزيز السلام والاستقرار والتنمية والرخاء والازدهار .

2. إسرائيل وحسابات المواجهة .

تبرز إسرائيل ضمن الأطراف التي ترى في استمرار الضغط العسكري على إيران مصلحة استراتيجية تتجاوز مكاسب التسوية المبكرة ، خصوصا إذا افتقر الاتفاق إلى قيود وضمانات صارمة تتعلق بالقدرات النووية والصاروخية الإيرانية . ويبقى موقفها العملي من مسار التفاوض وشروط التسوية مؤشرا مهما لفهم حساباتها .

3. المتشددون داخل واشنطن .

ترى بعض الدوائر الأمريكية المؤيدة للحسم العسكري أن استمرار الضغط على طهران قد ينتزع تنازلات أكبر في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية . وتزداد حساسية القرار السياسي مع اقتراب انتخابات الكونغرس في ( 3 ) نوفمبر ، حيث تتداخل الحسابات الانتخابية مع اعتبارات الأمن القومي والردع العسكري .

4. مراكز النفوذ الإيراني .

تخشى بعض الأجنحة المتشددة داخل الحرس الثوري الإيراني والتيارات السياسية المرتبطة بها أن تؤدي التسوية الواسعة إلى تقليص نفوذها العسكري والاقتصادي والسياسي ، وإضعاف شبكات المصالح التي استفادت من العقوبات والمواجهة . وتزداد أهمية هذا الاحتمال إذا ظهرت مواقف أو تحركات تعرقل التزامات طهران التفاوضية .

5. روسيا ومكاسب الاستنزاف .

تحقق موسكو مكاسب استراتيجية من استمرار انشغال واشنطن بالمواجهة الإيرانية وارتفاع أسعار الطاقة وتعاظم اعتماد طهران عليها . لكنها تواجه في المقابل مخاطر خسارة شريك إقليمي مهم إذا اتسعت الحرب ، مما يجعل حساباتها أكثر تعقيدا من مجرد تفضيل استمرار الصراع .

6. التحذير الباكستاني ودلالاته .

تكتسب تصريحات الفريق / أحمد شريف تشودري أهمية خاصة في ضوء الزيارتين اللتين أجراهما المشير / عاصم منير إلى طهران خلال أكتوبر الجاري ، بمشاركة صاحب السمو الملكي الأمير / خالد بن سلمان بن عبدالعزيز ، وزير الدفاع ، ورئيس الاستخبارات التركية / إبراهيم قالن في الزيارة الأخيرة يوم ( 26 ) أكتوبر . ويحمل تحذيره رسالة استباقية بشأن احتمال تدخل قوى ذات مصالح متعارضة لإضعاف فرص التسوية . ومن المنظور الاستراتيجي ، فإن المستفيد من استمرار الحرب ليس بالضرورة المسؤول عن عرقلة السلام ؛ فإثبات التعطيل يتطلب مؤشرات عملية ، مثل تقويض قنوات التفاوض أو التصعيد العسكري المتعمد عند اقتراب الاتفاق أو اتخاذ إجراءات تستهدف إفشال التفاهمات . ويبقى التمييز بين المصلحة والنية والفعل أساسا للحكم على الأطراف المحتملة .

الخاتمة .

تكشف هذه المعطيات احتمال تقاطع مصالح قوى متباينة في استمرار الأزمة ، لكن الاستفادة من الحرب تختلف عن التخطيط لإفشال السلام . وسيكون الاختبار الحقيقي في قدرة الأطراف على ضبط التصعيد وتقديم ضمانات أمنية متبادلة قابلة للتحقق ، وتحويل الاتصالات الدبلوماسية إلى اتفاق يحفظ أمن المنطقة واستقرارها .

من يعرقل السلام طلبا لمكاسب مؤقتة ، قد يكتشف أن الحرب التي أراد استمرارها أصبحت أكبر تهديد لمصالحه ومستقبله .

كاتب رأي 

#نحن_طويق

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.