نذر حرب أمريكية .

نذر حرب أمريكية .
رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .
الجمعة الموافق ( 23 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( الحرب خدعة ، وأخطر ما يواجهه المعتدي قوة لا يعرف ساعة تحركها ولا حدود قدرتها ، ومن أشعل نيران العدوان والإرهاب في ديار الآخرين ، فقد يأتي يوم يجد فيه ألسنتها تطرق أبوابه ، فالأيام دول ، وعلى الباغي تدور الدوائر . ) .
المقدمة .
تتصاعد نذر مواجهة أمريكية جديدة مع النظام الإيراني المقيت و التخريبي ، في ظل تحركات عسكرية بحرية أمريكية واسعة ، واستعدادات عملياتية ، وإجراءات أمنية احترازية متزايدة في المنطقة . وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية مع استمرار التوتر في مضيق هرمز ، وتصاعد التهديدات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وأذرعه المسلحة ، وتعثر المساعي الدبلوماسية الرامية إلى احتواء المواجهة .
1 . الاستعدادات القتالية .
كشفت منصة ( إكسيوس ) الإخبارية الأمريكية في ( 7 ) أكتوبر ( 2026 )م ، نقلا عن مسؤولين أمريكيين ، أن وزارة الدفاع وجهت القيادة المركزية الأمريكية ( CENTCOM ) لاستكمال الاستعدادات لاحتمال استئناف العمليات القتالية الكبرى ضد إيران ، دون تحديد موعد للتنفيذ أو صدور قرار رئاسي نهائي .
وتعزز أهمية هذه المعلومات التحركات البحرية الأمريكية التي شملت حاملة الطائرات ( ثيودور روزفلت ) ومجموعة الإنزال البرمائي ( ماكين إيلاند ) ، بما تحمله من قدرات جوية وبحرية وقوات مشاة بحرية .
ووفقا لتقرير المعهد البحري الأمريكي الصادر في ( 19 ) أكتوبر ، غادرت حاملة الطائرات ( ثيودور روزفلت ) اليابان بعد توقف قصير ، بينما كانت مجموعة ( ماكين إيلاند ) تواصل عبورها غربا في المحيط الهادئ . ولم يؤكد التقرير وصول المجموعتين إلى منطقة العمليات في الشرق الأوسط حتى ذلك التاريخ .
وتوسع هذه التحركات خيارات واشنطن لتعزيز الردع وحماية قواتها ومصالحها والاستعداد لعمليات عسكرية محتملة ، مع بقاء القرار السياسي الأمريكي وتوقيته مفتوحين على عدة احتمالات .
2 . المؤشرات الأمنية الاحترازية .
أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في ( 21 ) أكتوبر ( 2026 )م ، صدور توجيهات بمغادرة الموظفين الحكوميين الأمريكيين غير الأساسيين وأفراد أسرهم من المملكة العربية السعودية ودول المنطقة ، بسبب تصاعد الاعتداءات الحوثية والأذرع الإيرانية الأخرى الإرهابية على المطارات المدنية والمنشآت الحيوية ، وما ترتب عليها من مخاطر أمنية واضطرابات في حركة السفر .
ويمثل هذا القرار إجراء احترازيا لحماية الأفراد والمصالح الأمريكية ، ويعكس ارتفاع مستوى التهديدات الأمنية المرتبطة باعتداءات تلكم العصابات الإرهابية التخريبية المسلحة .
ومن المنظور العسكري والاستراتيجي ، تستحق هذه الإجراءات الإدراج ضمن تقدير الموقف العام ، لكنها لا تكفي منفردة لإثبات قرب تنفيذ هجوم أمريكي جديد ضد إيران . فقد تتخذ واشنطن إجراءات لحماية بعثاتها ومصالحها من التهديدات القائمة ، بصرف النظر عن قرار استئناف العمليات العسكرية .
3 . الحرب خدعة .
أعلن الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب في ( 8 ) أكتوبر ( 2026 )م ، أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات الكونغرس المقررة في ( 3 ) نوفمبر . ومع أهمية هذا الإعلان ، فإن المواقف السياسية المعلنة لا تلغي احتمال تغير القرارات العسكرية إذا تبدلت الظروف أو ظهرت تهديدات جديدة .
فالحرب خدعة ، والغموض الاستراتيجي أحد عناصر إدارة الصراع ، وقد تسهم التصريحات السياسية في التأثير على حسابات الخصم وتقديراته ، دون الجزم بأن تصريحات ترامب الأخيرة تمثل خطة خداع عسكري متعمدة .
ويقتضي التقدير الاستراتيجي السليم قراءة الحشد العسكري ، والاستعدادات العملياتية ، والقرارات السياسية ، والإجراءات الأمنية مجتمعة ، مع التمييز بين الاستعداد للحرب واتخاذ قرار خوضها والشروع في تنفيذها .
4 . مراكز الثقل والأذرع المسلحة .
في حال صدور قرار أمريكي باستئناف العمليات القتالية ، فقد تشمل الأهداف المحتملة القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية ، ومنظومات القيادة والسيطرة ، ومرافق الإسناد العسكري ذات الأهمية الاستراتيجية . وتمثل هذه أهدافا وقدرات حيوية ، بينما يتطلب تحديد مراكز الثقل الفعلية معرفة مصادر قوة النظام الإيراني التي تمكنه من مواصلة المواجهة وتحقيق أهدافه .
وقد تمتد تداعيات المواجهة إلى عصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة ، وحزب الله ، والتشكيلات العراقية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ، سواء بمحاولات التصعيد أو بتعرض شبكات إسنادها لضغوط إضافية .
وتبقى حماية أمن المملكة ودول الخليج العربي ، وصون الملاحة الدولية ، ومنع اتساع نطاق الحرب ، اعتبارات استراتيجية سيادية رئيسية لقياداتها في تقدير عواقب أي تصعيد جديد .
الخاتمة .
تتكاثر نذر الحرب ، وتضيق مساحات المناورة ، بينما تبقى ساعة القرار الأمريكي محاطة بالغموض . وقد تنجح الدبلوماسية في تجنب مواجهة جديدة ، لكن استمرار التهديدات يرفع كلفة الانتظار ومخاطر سوء الحسابات . فالتاريخ العسكري لا يرحم من يسيء تقدير موازين القوى ، وقد تنقلب أدوات العدوان وسياسات التخريب الهجومية على أصحابها ، وتتحول أسباب الغطرسة والأيديولوجية الهدامة المتطرفة إلى مقدمات الانكسار … ولله في خلقه شؤون .
