كُتاب الرأي

السعودية وصناعة التوازن

السعودية وصناعة التوازن

الدبلوماسية التي تصنع الطريق في زمن الأزمات

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات، وتعلو فيه لغة التهديد، لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على رفع صوتها، بل بقدرتها على أن تجعل صوتها مسموعًا، وأن تحوّل القلق إلى مسار، والضغط إلى فرصة، والاختلاف إلى مساحة للحوار. ومن هذه الزاوية تبدو الدبلوماسية السعودية اليوم مدرسةً في قراءة اللحظة وصناعة ما بعدها.

ما شهدته إسطنبول في الثالث والعشرين من أكتوبر 2026 ليس اجتماعًا عابرًا في جدول المواعيد. فقد اجتمع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان، ثم شاركوا في نقاش أوسع مع نظرائهم الأوروبيين، في وقت تتشابك فيه ملفات الحرب والتصعيد وأمن المنطقة. وفي الأيام نفسها، كانت اتصالات وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، تتناول خفض التوتر، وحرية الملاحة وأمنها في مضيقي هرمز وباب المندب. هذه الحركة المتزامنة بين التشاور الإقليمي والانفتاح الدولي تكشف اتساع دوائر العمل الدبلوماسي السعودي وتعدد مساراته.

وهنا تتجلى الحكمة: أن تتحرك المملكة في أكثر من اتجاه، من دون أن تفقد وضوح البوصلة. فهي تدرك أن أمن الخليج لا ينفصل عن أمن البحر الأحمر، وأن اضطراب الممرات البحرية لا يبقى خبرًا في نشرات السياسة، بل يمتد أثره إلى التجارة والطاقة ومعيشة الناس. لذلك لا تقف الدبلوماسية السعودية عند توصيف الخطر؛ بل تسعى إلى بناء موقف مشترك، وتوسيع دائرة المسؤولية، وفتح أبواب التهدئة قبل أن تضيق فرصها.

وقد كتبتُ في «حوار الطرشان» بتاريخ 27 أبريل 2026 عن منطقةٍ باتت فيها إدارة الصراع تتقدم على فرص الحل، ثم عدتُ في «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» بتاريخ 25 مايو 2026 إلى أن جوهر التفاوض كثيرًا ما يكمن في التفاصيل التي لا تظهر في التصريحات. واليوم نرى قيمة هذا المعنى: فالدبلوماسية الفاعلة لا تكتفي بالكلام عن السلام، بل تتابع الملفات، وتنسّق المواقف، وتختبر إمكانات التفاهم، وتمنع التفاصيل من أن تتحول إلى شرارة مواجهة جديدة.

ومن هنا أرى في أداء الأمير فيصل بن فرحان مدرسةً دبلوماسية عميقة: هدوءٌ لا يعني التردد، وحزمٌ لا يحتاج إلى استعراض، وحركةٌ تحسب أثر الخطوة قبل إعلانها. فالعمل الدبلوماسي ليس صورة اجتماع ولا عدد اتصالات؛ قيمته في قدرته على جمع الأطراف حول مصلحة قابلة للحياة، وعلى إيصال رسالة المملكة بوضوح: الاستقرار مسؤولية مشتركة، وحرية الملاحة مصلحة دولية، والتصعيد لا يقدّم حلًا دائمًا.

وفي مقالي «لماذا يجب أن تقود السعودية مبادرة دولية لأمن مضيق هرمز؟» بتاريخ 3 سبتمبر 2026، أكدتُ أن حماية الممرات لا تتحقق بفتحها مرةً واحدة، بل ببناء ترتيبات تجعل تهديدها مكلفًا وتضمن استمرارها. واليوم تتسع الصورة لتشمل هرمز وباب المندب معًا؛ أي إن الدبلوماسية السعودية تتحرك في قلب معادلة الأمن الإقليمي، وتجمع بين فهم الجغرافيا، وحساب المصالح، والبحث عن تعاون يتجاوز حدود المنطقة.

أما مقالي «السعودية… وصناعة المستقبل» بتاريخ 5 يوليو 2026، فكان فكرته أن المملكة لا تتحرك بمنطق ردود الأفعال، بل برؤية ترى ما وراء الأزمة. وما يحدث الآن يترجم تلك الفكرة على أرض السياسة: عملٌ متصل، وشراكات متعددة، ورسالة توازن تحفظ للمملكة استقلال قرارها ومكانتها، وتمنح الحوار فرصة قبل أن تفرض المواجهة كلفتها.

ليست الدبلوماسية السعودية وعدًا بأن الأزمات ستنتهي بكلمة؛ إنها عملٌ طويل النفس، يراكم الثقة، ويصوغ المواقف، ويبحث عن نافذةٍ كلما أُغلق باب. وفي زمنٍ يختبر حكمة الدول، تبدو المملكة حاضرةً لتقول إن القوة قد تحمي اللحظة، لكن الدبلوماسية الحكيمة هي التي تفتح الطريق إلى ما بعدها.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
الجمعة – 23 أكتوبر 2026م

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.