كُتاب الرأي

باب المندب يفتح باب الحسم…

باب المندب يفتح باب الحسم…

لكن من يقود النصر؟

تدخل الحرب في اليمن مرحلة جديدة، يتقدم فيها سؤال القيادة إلى جانب سؤال القوة. فالتطورات الأخيرة حول باب المندب، واتساع الإسناد الجوي السعودي، واستمرار المعارك حول تعز، تضع القوى المناهضة للحوثي أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تحويل تقدم الجبهات إلى نصر مستدام، أم تعود إلى إهدار الفرص بسبب تنازع القرار؟

في الخامس من أكتوبر، نقلت وكالة رويترز إعلان القوات الحكومية استعادة مواقع قرب باب المندب والتقدم باتجاه المخا بإسناد جوي سعودي. لكنها أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من كامل المكاسب المعلنة، فيما نفى الحوثيون تلك الرواية. وعلى جبهة تعز، تحدثت مصادر عسكرية عن تقدم حوثي يضغط على طرق الإمداد. نحن، إذن، أمام معركة مفتوحة تتبدل فيها المواقع، ويظل الحسم فيها أبعد من بيانات الانتصار.

هذه التطورات تعيدني إلى الفكرة التي تناولتها في مقالي «الحوثي وصل إلى البحر… لكنه دخل الفخ»، ثم في «بعد هرمز وباب المندب.. هل بدأ الفخ الذي حذرت منه؟». كان جوهر قراءتي أن وصول الحوثي إلى هذا الموقع الحساس يوسع دائرة المصالح التي يصطدم بها، ويجعل تهديده للملاحة قضية تتجاوز خصومه داخل اليمن. واليوم أرى أن هذه القراءة تواجه اختبارها الميداني.

وفي مقالي المنشور في الثالث من أكتوبر، «قلتُ إن البحر سيقود إلى البر.. فهل بدأت معركة باب المندب؟»، ربطت حماية الممر البحري بما يجري على الأرض التي تطل عليه. فالاستقرار في البحر يحتاج إلى سلطة قادرة على منع تحويل الساحل إلى منصة تهديد متجدد. ومن هنا تتصل التطورات الراهنة بما طرحته سابقًا: أمن الملاحة يفرض سؤال السيطرة البرية، والسيطرة البرية تفرض سؤال القيادة.

وفي هذا المشهد، يأتي تفعيل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان ليضيف بُعدًا إقليميًا إلى معادلة الردع. ففي الخامس من أكتوبر، قررت الدول الثلاث الانتقال الفوري إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك، وتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها والإسراع بنشرها في المملكة. وبذلك انتقل الاتفاق من الالتزام السياسي إلى إجراءات تعزز القدرة الجماعية على مواجهة التهديدات. (asharq.com)

وأرى أن هذا التفعيل جاء في توقيت تحتاج فيه المنطقة إلى صمام أمان يمنع اتساع الاعتداءات، ويحمي المدن والمنشآت والممرات الحيوية. فقيمة اتفاق مكة تكمن في جعل كلفة العدوان واضحة قبل وقوعه، وفي إفهام من يراهن على إنهاك السعودية بالهجمات المتكررة أنه يواجه التزامًا دفاعيًا تشترك فيه ثلاث دول ذات ثقل سياسي وعسكري.

ومن هنا، أقرأ إحدى أهم دلالات التفعيل في لجم إيران من ناحية، وكبح الميليشيات المرتبطة بها في العراق من ناحية أخرى. وهذه قراءة للأثر الاستراتيجي المحتمل للاتفاق، الذي تعلن أطرافه أن غايته الدفاع والردع والاستقرار، وأنه لا يستهدف دولة بعينها. فحين تصبح حماية السعودية مسؤولية مشتركة، تضيق مساحة استخدام الجماعات المسلحة لتهديدها، وترتفع الكلفة السياسية والعسكرية لأي اعتداء جديد. (aljazeera.net)

والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى طهران وإلى الميليشيات المرتبطة بها هي أن أمن المنطقة لا يجوز أن يبقى رهينة للسلاح المنفلت، وأن استخدام الأراضي العراقية منصة لتهديد الجوار يضر بالعراق وسيادته قبل غيره. ومن مصلحة الدولة العراقية أن تحتكر قرار الحرب والسلم، وأن تمنع الجماعات المسلحة من جرّها إلى مواجهات تخدم حسابات خارجية.

بهذا المعنى، يمكن لاتفاق مكة أن يكون صمام أمان للمنطقة: يحمي السيادة، ويعزز الردع، ويوفر للدبلوماسية قوة تسندها. وكلما كانت القدرة على الدفاع واضحة ومتماسكة، ازدادت فرص منع الحرب وفرض احترام الحدود والمصالح المتبادلة.

لكن الردع الإقليمي، مهما تعزز، لا يحل وحده معضلة القيادة داخل اليمن. والفخ الذي قد يدخله الحوثي لن يعمل تلقائيًا؛ إذ تستطيع جبهة منقسمة أن تمنحه فرصة النجاة، حتى عندما تتوافر لها القوة والإسناد. ولهذا انتقلت في مقالي «الحوثي أمام ساعة النهاية… من هرمز إلى باب المندب تتكشف خريطة المنطقة» إلى مناقشة الظروف التي تسمح باستمرار المشروع الحوثي، والضرورة الاستراتيجية لإنهاء قدرته على تهديد الأمن والممرات البحرية. وأضيف اليوم أن نجاح هذا المسار يبدأ بإصلاح الجبهة التي تواجهه.

أرى أن المرحلة تحتاج إلى قيادة ميدانية موحدة غير شمالية، ذات سجل واضح في مواجهة الحوثي، ومستقلة عن شبكات النفوذ والمساومات التي عطلت القرار. وأطرح إعادة تشكيل مركز القيادة والقرار من دون عناصر من منظومات القيادة الشمالية التقليدية التي ثبت تضارب مصالحها أو تعثر أدائها؛ بحيث تنتقل المسؤولية إلى قيادة تتحمل نتيجة المعركة، وتخضع للمحاسبة على تقدمها وتراجعها.

هذا موقف من منظومة قيادة وتجربة سياسية وعسكرية. أما الانتماء إلى الشمال وحده فلا يثبت الولاء للحوثي، ولا يلغي تضحيات من واجهوه. ولذلك فإن استبعاد كل فرد شمالي، بصرف النظر عن موقفه وكفاءته، لا يكفي لبناء جبهة منتصرة. المعيار الذي يحمي المعركة هو وضوح الولاء، وسلامة السجل، والانضباط تحت قيادة واحدة.

ويمكن لقيادة غير شمالية أن تمنح الجبهة فرصة للخروج من دوائر التعطيل القديمة، إذا امتلكت صلاحيات فعلية وقبولًا لدى القوى المشاركة. أما تغيير الأسماء مع بقاء غرف القرار المتنافسة، فلن يغير النتيجة.

النصر يحتاج إلى هدف سياسي واضح، وقيادة واحدة، ومؤسسات تضبط المال والسلاح، ومحاسبة تمنع تحويل الحرب إلى مورد للمستفيدين من استمرارها. ويحتاج أيضًا إلى تصور لليوم التالي، يطمئن الناس إلى أن انتهاء سلطة الحوثي سيقود إلى أمن وعدالة وخدمات، ويحفظ خصوصيات المناطق وحقوق أهلها.

وفي هذا السياق، تبقى حضرموت قضية قائمة بذاتها. فلا يجوز أن تتحول مشاركتها في مواجهة الخطر إلى تفويض مفتوح لمصادرة قرارها، أو أن تُختزل في ترتيبات تتجاهل أهلها. إن احترام إرادة الحضارم وخصوصية حضرموت جزء من بناء الاستقرار الذي نريده بعد الحرب.

وقد يشكل التقدم عند باب المندب، بالتزامن مع تفعيل اتفاق مكة، بداية تحول مهم في ميزان القوة والردع. لكن إعلان نهاية الحوثي قبل تحققها يضعف القراءة السياسية. الأجدى هو تحديد ما يجعل النصر ممكنًا وما قد يعطله، وتحويل الإسناد المتاح إلى نتائج تحمي الناس وتمنع عودة التهديد.

لقد كتبتُ عن البحر الذي سيقود إلى البر. واليوم، مع انتقال هذه الفكرة إلى اختبار الوقائع، أؤكد أن الجبهة الموحدة بقيادة غير شمالية مستقلة وكفؤة تستطيع رفع فرص النصر، حين تجمع القوة إلى القرار والمحاسبة والمشروع السياسي. ويمنحها تفعيل اتفاق مكة بيئة ردع إقليمية أقوى، إذا أحسنت استثمارها في هدف واضح ومستدام.

باب المندب قد يفتح باب الحسم، واتفاق مكة يعزز صمام الأمان للمنطقة؛ والقيادة هي التي تحدد إن كانت الجبهة ستعبر إلى النصر، أم ستتركه فرصة أخرى تضيع.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026م
25 ربيع الآخر 1448هـ

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.