حين يرتدي التردّدُ ثوبَ الحياد

حين يرتدي التردّدُ ثوبَ الحياد
عبدالمحسن محمد الحارثي
مسافةُ السكة لا تحتاج إلى بروتوكولات.
فعندما تتكاثر الإشارات، وتتقارب التوقيتات، وتتجه آثار مواقفٍ متباعدة إلى نقطةٍ واحدة؛ لا يعود السؤال ترفًا ذهنيًا، بل يصبح واجبَ وعي: ماذا نرى؟ وماذا تعني الخطوط التي تتقاطع أمامنا؟
ليست كلُّ مهلةٍ في اتخاذ القرار حكمة، كما أن الصمت ليس حيادًا في كل الأحوال. فالتروّي أن تجمع الحقائق، وتختبر الروايات، وتزن العواقب، ثم تمضي إلى موقفك حين تتضح دلالته. أمّا التردّد، فهو أن تبقى عند عتبة السؤال، رغم تراكم ما يدعوك إلى الانتباه؛ خشيةَ أن تخطئ، أو رغبةً في ألا تُغضب أحدًا، أو انتظارًا لوضوحٍ كامل لا تمنحه السياسة لأحد.
وفي الأيام الراهنة ؛ لا تبدو ضربات المرافق الحيوية والمطارات، وقلق البحر الأحمر وممراته، وارتباك الأسواق، وتأجيل بعض المحافل الاستثمارية؛ ملفاتٍ متباعدة كما قد تبدو للوهلة الأولى. إنها إشاراتٌ تمسّ الأمن والاقتصاد والثقة في آنٍ واحد، وتؤكد أن التهديد حين يقترب من مقدرات الدولة لا يبقى شأنًا محليًا محدودًا.
وفي المقابل ؛ تتصاعد لغة الأمن الجماعي، وتتقدم ترتيبات الدفاع والتعاون، وتتعدد رسائل الدعم، لكنّ هذه المواقف نفسها تختلف في حدودها وسرعتها وأدواتها. وهذا التباين لا ينبغي أن يُقرأ بالتشاؤم المجاني، كما لا ينبغي أن يُمرّ عليه كأنه تفصيلٌ عابر؛ فاختلاف المواقف لا يمنع التقاء المصالح، ووحدة الأثر لا تعني بالضرورة وحدة الجهة التي صنعته.
من يقول إن الصورة لم تكتمل فهو محق؛ ومن يجعل عدم اكتمالها دليلًا على ألّا شيء يجري، فهو يخطئ القراءة. فالسياسة لا تكشف أوراقها دفعةً واحدة، والتحولات الكبرى لا تدخل من الباب الكبير؛ بل تبدأ بتبدّل اللغة، وتغيّر الأولويات، ورسائل مبطنة، وخطوطٍ تتوازى ثم نكتشف متأخرين أنها كانت ترسم اتجاهًا واحدًا.
لسنا هنا أمام ادعاء معرفة ما يُدار في الغرف المغلقة، ولا أمام اتهامٍ يُبنى على الظنون. فالقرينة ليست دليلًا قاطعًا، لكنها ليست شيئًا يُهمل؛ والتوقيت لا يصدر حكمًا نهائيًا، لكنه يفتح باب السؤال. وتوافق المصالح لا يثبت وجود غرفةٍ واحدة، لكنه ينبه إلى أن نتائج المتفرقين قد تلتقي في مسارٍ واحد.
وهنا يقع بعض الناس بين طرفين: طرفٌ يرى مؤامرةً في كل حدث، وطرفٌ لا يرى دلالةً في أي حدث. وبين السذاجة والاتهام طريقٌ ثالث: اليقظة. أن نقرأ دون تهويل، وأن نتحقق دون غفلة، وأن نرفض أن تتحول وفرة الأخبار إلى ستارٍ يحجب عنا الاتجاه.
وقد وضع القرآن ميزانًا يحفظ العقل من الوهم ومن السذاجة معًا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. فلا نلاحق الظن حتى نصنع منه حقيقة، ولا نلغي ما نراه ونسمعه حتى يفاجئنا الواقع بما لم نستعد له. إنما نجمع الإشارات، ونربط الجزئيات بسياقها، ونراقب أثرها في الأمن والاقتصاد والمجتمع.
ومن لا يُجيد السباحة في بحر السياسة ؛ فليس عيبًا أن يقف على الشاطئ ، فهذا بحرٌ تختلط فيه المصالح بالروايات، وتُصنع فيه الضبابية عمدًا أحيانًا. لكن لا يجوز له أن يكون صدىً للشائعة، ولا جسرًا للتضليل، ولا متفرجًا باردًا حين تكون الدلالة واضحة. يكفيه أن يتمسّك بشاطئ المبادئ: لا يظلم، ولا يبرر الظلم، ولا يتكلم فيما لا يعلم، ولا يبيع موقفه تحت اسم الحياد.
إنّ الأوطان لا تُحمى بالهلع، كما لا تُحمى بالنوم فوق القرائن. تُحمى بعقلٍ يقظ، يقرأ الخطوط قبل أن تتحول إلى خرائط، ويقرأ الخرائط قبل أن تتحول إلى واقعٍ مفروض.
فالتروّي حكمةٌ حين يقود إلى قرار، أمّا التردّد حين يرتدي ثوب الحياد، فليس سوى فراغٍ في الموقف؛ والفراغ في أزمنة التحول لا يبقى فارغًا طويلًا.
كاتب رأي
