دوري روشن.. الصورة التي لا تنتهي بصافرة

دوري روشن.. الصورة التي لا تنتهي بصافرة
عبدالمحسن محمد الحارثي
لم يعد دوري روشن السعودي تسعين دقيقةً تبدأ بصافرة وتنتهي بأخرى؛ فقد أصبح نافذةً عالمية تطل منها الشعوب على المملكة، وترى عبرها مشروعها الرياضي، وثقافة ملاعبها، وسلوك النجوم الذين يرتدون شعارات أنديتها.
وقد وضع النبي ﷺ ميزان القوة الحقيقي بقوله: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». وهذا المعنى أحوج ما يكون إليه اللاعب في لحظة الاستفزاز؛ فقد ينتصر في التحام، ثم يخسر نفسه وفريقه وجماهيره ببطاقة حمراء كان يستطيع منعها بثانيةٍ من الحكمة.
وفي زمن المنصات، قد تسافر نطحةٌ طائشة إلى العالم أسرع من هدف جميل، وتبقى لقطة تشابك في الذاكرة أطول من نتيجة المباراة؛ لأن المشاهد البعيد لا يرى اللاعب وحده، بل يرى الدوري الذي يحتضنه، والبيئة الرياضية التي يظهر من خلالها أمام الملايين.
لقد وصل دوري روشن إلى العالمية بأسمائه وإمكاناته وجماهيريته؛ لكن العالمية لا تكتمل باستقدام اللاعب العالمي، ما لم يصاحب ذلك سلوك عالمي يليق به. فالعقود المليونية تستقطب الموهبة، لكنها لا تشتري الانضباط، والنجومية تمنح اللاعب شهرةً واسعة، لكنها لا تمنحه حصانةً من القانون أو إعفاءً من الأخلاق.
وما يظهر أحيانًا من احتكاكات شخصية، أو تشابك بالأيدي والرؤوس، أو ضربٍ بعيدًا عن الكرة، أو ملاحقةٍ للخصم طلبًا للانتقام؛ لا يمكن تسويغه بالحماس والغيرة على الشعار. فالحماس طاقةٌ تُوجَّه نحو المرمى، لا غضبٌ يُوجَّه نحو جسد المنافس.
وقد جاء القانون الثاني عشر من قوانين كرة القدم حاسمًا؛ فعدَّ الضرب أو محاولة الضرب — ومن ذلك النطح بالرأس — مخالفةً صريحة، وفرّق بين التهور الذي يستوجب الإنذار، والقوة المفرطة أو تعريض سلامة المنافس للخطر، وهو ما يستوجب الطرد. كما صنّف الاعتداء بعيدًا عن محاولة لعب الكرة ضمن السلوك العنيف، ولو لم يقع الاحتكاك فعليًا.
وبذلك، فإن ملاحقة المنافس للانتقام، أو محاولة الاعتداء عليه، أو ضربه بعيدًا عن الكرة؛ ليست من إثارة المباراة ولا من مظاهر القوة، بل سلوكيات يجرّمها القانون قبل أن ترفضها الأخلاق.
وحين قال نيلسون مانديلا: «للرياضة قوةٌ تستطيع بها تغيير العالم»؛ فقد لخّص أثر الملعب خارج حدوده. فالطفل لا يقلّد مراوغات نجمه واحتفالاته فقط؛ بل قد يقلّد غضبه وطريقة تعامله مع المنافس. وهنا تصبح الحركة العابرة درسًا، ويغدو اللاعب مسؤولًا عن صورة تتجاوز شخصه وناديه.
ومن هنا، فإن على وزارة الرياضة، والاتحاد السعودي لكرة القدم، ورابطة الدوري، وصندوق الاستثمارات العامة، وشركة أرامكو، وسائر الجهات المالكة والداعمة للأندية؛ أن تجعل التهيئة السلوكية جزءًا من صناعة اللاعب.
نحتاج إلى برنامج إلزامي يسبق مشاركته، يعرّفه بقيم الدوري، وقوانين السلوك العنيف، ومهارات السيطرة على الغضب، ومسؤوليته أمام الجماهير. إنها دروس مجانية في تكلفتها، لكنها باهظة في قيمتها؛ فقد تحفظ على النادي نقاطه، وعلى اللاعب سمعته، وعلى الدوري صورته.
ولا تكتمل التوعية إلا بعقوبة عادلة وسريعة ورادعة، تُطبّق على الجميع دون اعتبار لشهرة الاسم أو قيمة العقد أو لون القميص؛ فالنجومية لا تخفف المسؤولية، بل تضاعفها.
وحين يرى المشاهد العالمي لاعبًا يمد يده ليُنهض منافسه، أو يعتذر عن تدخل عنيف، أو يبتعد عن الاستفزاز، أو يفض اشتباكًا؛ تتشكل في ذهنه صورة حسنة عن دوري محترم، ومجتمع راقٍ، ووطن جعل الأخلاق شريكًا للإنجاز.
أما حين يرى الضرب والنطح والمطاردة، فإن السؤال لا يتوقف عند اللاعب: لماذا فعل ذلك؟ بل يمتد إلى ما هو أخطر: ما صورة الدوري الذي يلعب فيه؟
لقد نجحنا في استقدام اللاعب العالمي، وبقي أن نجعل الانضباط في ملاعبنا عالميًا أيضًا؛ لأن المباراة تنتهي، والنتيجة تُحفظ في السجلات، أما الصورة التي نتركها في ذهن المشاهد؛ فلا تنتهي بصافرة.

