كُتاب الرأي

من ضربة المطرقة إلى التخدير الحديث

من ضربة المطرقة إلى التخدير الحديث

رحلة الإنسان في إخماد الألم

بكري بن معتوق عساس

لم يكن الألم يومًا عائقًا أمام رغبة الإنسان في العلاج، لكنه ظل لقرونًا طويلة من أشد التحديات التي واجهت الجراحين والمرضى معًا. وقبل أن يعرف الطب التخدير الحديث، لجأ الإنسان إلى وسائل بدائية ومتنوعة لتخفيف الألم أو فقدان الوعي مؤقتًا، بعضها مستند إلى خصائص النباتات الطبية، وبعضها الآخر إلى وسائل جسدية شديدة الخطورة. ومع تطور العلوم الطبية، تحوّل التخدير من محاولات محدودة ومحفوفة بالمخاطر إلى علم دقيق أسهم في إحداث ثورة حقيقية في عالم الجراحة.
في أزمنة قديمة، عرف الإنسان بعض النباتات التي تحتوي على مواد ذات تأثير مسكن أو مهدئ، ومن أبرزها الخشخاش والقنب، فاستخدمها بطرق مختلفة لتخفيف الألم. كما ظهرت وسائل أخرى أكثر بدائية؛ فكان من الممكن تبريد الطرف المصاب بالثلج أو بالبرودة الشديدة لتقليل الإحساس بالألم، ثم إجراء بعض التدخلات الجراحية البسيطة عليه. وكان الأطباء يلجؤون أحيانًا إلى إيقاف أو تقليل التروية الدموية للطرف بواسطة رباط ضاغط، بهدف الحد من النزف وتقليل الإحساس في المنطقة مؤقتًا.
أما الرواية الشائعة عن استخدام ضربة على مؤخرة الرأس لإفقاد المريض وعيه، فهي تعكس قسوة بعض التصورات القديمة عن التعامل مع الألم، لكنها ليست وصفًا عامًا أو دقيقًا لطريقة التخدير التي كانت متبعة في القرن التاسع عشر. ومع ذلك، فقد عُرفت عبر التاريخ وسائل مختلفة لإحداث فقدان مؤقت للوعي، وكانت جميعها تقريبًا تنطوي على مخاطر كبيرة، وقد تؤدي إلى إصابات خطيرة أو الوفاة.
ومع بروز علم التخدير الحديث في القرن التاسع عشر، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الطب. فأصبح بإمكان الجراح إجراء عمليات أكثر تعقيدًا ودقة، وفي ظروف أكثر أمانًا، بينما ساعد التحكم في الألم والوعي على تحسين رعاية المرضى أثناء العمليات وبعدها. وكان تطور التخدير عاملًا أساسيًا في اتساع آفاق الجراحة وتطور تقنياتها، وفي إنقاذ أعداد كبيرة من المرضى.
واليوم يعتمد أطباء التخدير على مجموعة من الأساليب الدوائية والتقنيات المتقدمة، ويختارون الطريقة المناسبة وفق نوع العملية وحالة المريض. ومن أبرز وسائل السيطرة على الألم والوعي أثناء الجراحة:
التخدير العام: يُستخدم فيه مزيج من الأدوية لإحداث فقدان مُتحكَّم فيه للوعي والإحساس، بحيث يكون المريض غير واعٍ أثناء العملية، مع مراقبة وظائفه الحيوية طوال الوقت.
التهدئة (السكون): تُستخدم أدوية بدرجات مختلفة لتهدئة المريض وتقليل القلق والألم، وقد يكون المريض مستيقظًا أو في حالة وعي منخفض بحسب مستوى التهدئة ونوع الإجراء.
التخدير الناحي: يتم فيه تخدير منطقة معينة من الجسم عن طريق حقن مخدر موضعي بالقرب من الأعصاب أو الضفائر العصبية التي تنقل الإحساس من موضع الجراحة، وقد يبقى المريض واعيًا أو يتلقى التهدئة في الوقت نفسه.
وهكذا انتقل الإنسان من وسائل بدائية محفوفة بالمخاطر إلى علم قائم على المعرفة الدقيقة والمراقبة المستمرة والتقنيات المتطورة. ولم يتوقف هذا التطور عند ما وصل إليه الطب اليوم؛ فالبحث العلمي مستمر لتطوير أدوية وتقنيات أكثر أمانًا وفاعلية، بهدف أن تكون الجراحة أقل ألمًا وأكثر دقة وأمانًا، وأن يظل تخفيف معاناة المريض أحد أهم أهداف الطب.

كاتب رأي

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.