كُتاب الرأي

الأمراض النفسية في العالم العربي

الأمراض النفسية في العالم العربي

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

تُعدّ الأمراض النفسية من أبرز التحديات الصحية في العصر الحديث، إذ تؤثر في جودة الحياة والإنتاجية والعلاقات الاجتماعية. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاضطرابات النفسية تمثل عبئًا صحيًا واقتصاديًا متزايدًا، وأن الاكتشاف المبكر والعلاج يقللان كثيرًا من آثارها.

وقد انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي جداول لترتيب الدول العربية بحسب نسبة المصابين بالاضطرابات النفسية إلى عدد السكان. ومن الصور المتداولة لعام 2025 جاء الترتيب العربي على النحو الآتي:
1- تونس
2- لبنان
3- ليبيا
4- المغرب
5- السودان
6- الأردن
7- الكويت
8- الإمارات
9- الجزائر
10- البحرين
11- مصر

وينبغي التنبيه إلى أن مثل هذه القوائم قد تعتمد على قواعد بيانات أو نماذج إحصائية تختلف من جهة إلى أخرى، ولا تعني بالضرورة أن سكان هذه الدول أكثر أو أقل صحة نفسية بصورة قاطعة، إذ تتأثر النتائج بطرق التشخيص، وتوافر الخدمات الصحية، ومستوى الإبلاغ عن الحالات.

أما تاريخ دراسة الأمراض النفسية فهو طويل؛ فقد وصف أبقراط بعض الاضطرابات النفسية وربطها بوظائف الدماغ، رافضًا الاعتقاد بأنها ناتجة عن الأرواح الشريرة. وفي العصر الإسلامي قدّم علماء كبار مثل أبو بكر الرازي وابن سينا وصفًا دقيقًا لعدد من الاضطرابات النفسية وأساليب علاجها، وأُنشئت أقسام متخصصة للمرضى النفسيين في بعض البيمارستانات.

وفي العصر الحديث يُعد الطبيب الفرنسي فيليب بينيل (1745–1826) أحد أبرز رواد الطب النفسي الحديث؛ إذ دعا إلى معاملة المرضى النفسيين معاملة إنسانية، وأزال القيود عن كثير منهم في المستشفيات الفرنسية، ولذلك يُلقب في كثير من المراجع بـ«أبي الطب النفسي الحديث». كما أسهم الطبيب الألماني إميل كريبلين لاحقًا في وضع التصنيفات العلمية للاضطرابات النفسية، وأسهم سيغموند فرويد في تطوير العلاج النفسي والتحليل النفسي.

إن الاهتمام بالصحة النفسية لم يعد ترفًا، بل ضرورة مجتمعية. فالأسرة، والمدرسة، وبيئة العمل، والإعلام، جميعها شركاء في بناء مجتمع أكثر توازنًا. كما أن مراجعة الطبيب النفسي عند الحاجة لا تقل أهمية عن مراجعة طبيب القلب أو السكري، فالصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، وقال أيضًا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 28]. وبين الأخذ بالأسباب الطبية والإيمان والطمأنينة يتحقق التوازن الذي يحتاجه الإنسان في حياته.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.