كُتاب الرأي
سحر الحفاوة.. حين يتحول السائح إلى سفيرٍ للوطن

سحر الحفاوة.. حين يتحول السائح إلى سفيرٍ للوطن
بدر بن سالم
تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا لسائحة أمريكية زارت منطقة الباحة، مؤكدة أنها لم تنفق سوى مئة وستين ريالًا طوال فترة إقامتها، ومبدية انبهارها بطيبة المكان، ولذة الطعام، وكرم الأهالي الفريد.
وأثار هذا التفاعل نقاشات متباينة؛ فمن متسائل عن الجدوى الاقتصادية وعائد السياحة، ومن مترقب لجلب العائلات والأصدقاء بعد معرفة تكلفة المعيشة، وآخر يرى أن عجلة السياحة قد تتباطأ إن لم يتوازن العائد المأمول مع حجم الإنفاق.
لكن.. ألا يمكن النظر إلى الأمر من زاوية أعمق وأبعد أثرًا؟
هل تحولت هذه السائحة، من حيث لا تدري، إلى إعلان حيّ وعفوي عن المملكة؟
في عالم التسويق، تنفق الشركات الكبرى ميزانيات طائلة على الإعلانات؛ لأن الثقة التي يصنعها المستهلك تجاه منتج أو مكان قد تكون أثمن من أي حملة مدفوعة. وهكذا هي السياحة أيضًا؛ فالأرقام مهمة، لكن تجربة الإنسان لا تُقاس بالأرقام وحدها.
حين يلمس الزائر الأمن، ويجد حسن التعامل، ودفء الاستقبال، وكرم الناس، تتحول رحلته من زيارة عابرة إلى حكاية يرويها للآخرين.
وأذكر في هذا السياق ما تناولته بعض الصحف والمجلات البرازيلية عن كرم الشعب السعودي مع نجوم كرة القدم الذين زاروا المملكة، ومنهم نجوم كبار تركوا انطباعات طيبة عن المجتمع السعودي وكرمه وحفاوته. فهذه المواقف، مهما بدت بسيطة، تتحول مع الوقت إلى ذاكرة شخصية يحملها الزائر معه أينما ذهب.
ولطالما لمست هذا الأثر بنفسي.
فحين سألني أحد الأصدقاء العرب عن تفاصيل روايتي «٢٣ سبتمبر»، مستفسرًا عن عدم إبراز «البوليفارد» فيها، أخبرته بأن أحداث الرواية تدور في حقبة التسعينيات، ولذلك لم يكن من الممكن أن يظهر فيها معلم لم يكن موجودًا آنذاك.
فكان رده بأنه يرى «البوليفارد» اليوم واقعًا ملموسًا ومشهدًا مختلفًا عما كان يتصوره عن الرياض.
دعوتُه وأسرته الكريمة لزيارة المملكة، ليروا بأنفسهم كيف تتلاقى عراقة الماضي مع إبداع الحاضر في يوم واحد، وكيف أصبحت الرياض وغيرها من مدن المملكة وجهات تستقطب الزائر من مختلف أنحاء العالم، في ظل النقلة النوعية التي تشهدها البلاد.
نحن السعوديين سفراء لبلادنا، وما أيسر السفارة بالخلق.
ابتسامة صادقة، وإرشاد تائه، وإكرام ضيف، ومدح لمواطن الجمال، كلها أشياء بسيطة، لكنها قد تترك أثرًا لا يُنسى.
ويا كم من أرضٍ أحجم الإنسان عن زيارتها مرة أخرى، لا لغياب جمالها، وإنما بسبب تجهم أهلها وعبوس وجوههم.
فالزائر قد ينسى اسم الفندق، وقد ينسى سعر الوجبة، لكنه غالبًا لا ينسى الإنسان الذي أحسن إليه.
وصحيح أن السفر فيه مشقة، كما ورد في الحديث الشريف، لكنه يحمل في المقابل منافع كثيرة، وقد لخّص الإمام الشافعي شيئًا من ذلك بقوله:
تغرَّب عن الأوطان في طلب العُلا
وسافر ففي الأسفار خمس فوائدِ
تفرُّجُ همٍّ واكتسابُ معيشةٍ
وعلمٌ وآدابٌ وصحبةُ ماجدِ
وفي وطننا، تزخر الأرض بمواقع بكر قادرة على إبهار الناظرين.
كنت أتبادل الحديث يومًا مع صينية تعمل معي في مشروع خاص، فإذا بها تحدثني بإسهاب عن الأماكن السياحية في نيوم، حتى وجدتني مذهولًا من سعة اطلاعها على بعض مناطق بلادي مقارنة بي!
وهنا أدركت أن جمال الوطن لا يكفي أن نعرفه نحن؛ بل ينبغي أن نكتشفه كما يراه الآخرون.
وإذا قصدنا نيوم وما حولها، فإننا أمام متحف طبيعي مفتوح يستحق الزيارة والتوثيق؛ من وادي الديسة، حيث تعانق النخيل الجبال وتنساب المياه في مشهد يأسر العين، إلى جبل اللوز بقممه الشاهقة التي تزداد سحرًا في الشتاء، مرورًا بشواطئ شرما والمواقع الساحلية في المنطقة، وغيرها من الوجهات التي تستحق أن تكون جزءًا من ذاكرة السائح.
إن الغاية الأسمى من السياحة ليست أن يدخل الزائر بلدًا ثم يغادره، وإنما أن يغادر وفي قلبه شيء من المكان.
تأملوا أولئك العاملين الأجانب الذين عاشوا في المملكة سنوات طويلة في قطاعات مختلفة، وخصوصًا من عاصروا بدايات نهضتها الحديثة. تجد أحدهم، وهو اليوم في خريف عمره وقد تجاوز الثمانين، يحتفظ بصور المملكة على جدران منزله، ويتذكر طعم الطعام السعودي، وجلساته في «دكات الحجاز»، ورميه السنارة في منطقة «الدرب»، ومشاهد الخزامى والنفل حين تملأ البراري.
تلك الذكريات العميقة لا تصنعها ضغطة زر، ولا تشتريها حملة إعلانية.
إنها تُنسج من دفء الإنسان، وجمال المكان، وصدق التجربة.
ولذلك، قد تكون السائحة التي أنفقت مئة وستين ريالًا قد أنفقت قليلًا من المال، لكنها ربما حملت معها شيئًا أثمن بكثير: صورة جميلة عن وطن، وذكرى طيبة عن شعب، وحكاية سترويها لأهلها وأصدقائها.
وهنا تكمن قوة السياحة الحقيقية.
فالسائح الراضي لا يعود مجرد زائر؛ بل يتحول، من حيث لا يدري، إلى سفير.
وكذلك نحن.
فكل سعودي يقابل زائرًا بابتسامة، أو يساعده في الطريق، أو يدعوه إلى طعامه، أو يحدثه عن جمال وطنه، إنما يكتب سطرًا صغيرًا في صورة المملكة التي يحملها ذلك الزائر معه.
وما أيسر أن تكون سفيرًا لوطنك.. فقط أحسن الخلق.
