كُتاب الرأي
بيت العمر المشؤوم

بيت العمر المشؤوم
بدر بن سالم
رأيت مقطعًا لزوجين يتخاصمان بسبب قهوة مكلفة بعض الشيء، وكانت الزوجة قد كتبت: “زوجي بعد القرض العقاري أصبح سريع الغضب.”
منزل العمر… والهروب من الإيجار، ومن مكاتب العقار، ومن اتصالات المؤجر: “متى تحاسب؟” إلى بيت يملكه البنك، بقسط مرهق جدًا. وتختلف الأسعار من أرض إلى أخرى.
أتذكر أن شخصًا سألني: “أين تريد أن تسكن؟” فقلت: “في هذا المكان.” فقال: “غالٍ عليك.” قلت: “أبحث عن المكان الهادئ.” فقال: “الأنفة ستتعب السعوديين، وبحلول عام 2045 قد لا يستطيع حتى المدير شراء شقة أساسية في الرياض إلا بمبالغ طائلة.”
ابتسمت، وتركت فكرة التملك إلى وقت آخر.
ثم أبحرت بي الذاكرة إلى رجل عزيز عليّ، كان عليه قرض عقاري. اضطر إلى التقشف حتى يكتمل البناء. حتى أبناؤه، في إحدى العزائم، رأوا كيس شوكولاتة أُهدي إليهم، فقال أحدهم: “هذا الذي يجي بالدعيات .” كان الموقف مضحكًا في ظاهره، لكنه مبكي عندما ترى أبًا يحرم أبناءه من أشياء بسيطة ليكمل بناء البيت.
وأذكر معلمًا بثوب وشماغ وعقال قديمة، كان يحدثنا بحرقة عن العقار والحرمان. كنا يومها في استراحة للمعلمين والطلاب، فقال: “قد تمضي خمسة وعشرون عامًا تسدد بيتًا، وأنت لا تعلم هل ستعيش فيه مع أبنائك أولًا.”
الدخل المعروف لدى كثير من الشركات يتراوح بين خمسة وعشرة آلاف ريال، ولا يوجد سلم وظيفي يضمن زيادة سنوية. تطوق رأسك بمشنقة طلب زيادة الراتب، وتمضي السنوات، فتطلب عامًا بعد عام، ولا تجد إلا الرفض. مضت عليّ عشرة أعوام وأنا أطالب بالزيادة في شركتي، حتى سئمت وخرجت.
ثم تأتي شركة أخرى بسياسة مختلفة، ومع ذلك لا يجد كثير من السعوديين مزايا موجودة في أماكن أخرى، مثل بدل السكن أو تذاكر السفر أو تحمل جزء من الإيجار.
أما أنظمة التمويل، فتدخل معها في متاهة طويلة. تُحتسب عليك نسب الاستقطاع، فلا يبقى لك مجال لشراء سيارة تساعدك على زيادة دخلك، ولا تستطيع التحرك بحرية.
ثم إذا قصدت جمعية خيرية، نظرت إلى راتبك وقالت: “دخلك مرتفع.” بينما الواقع يقول إن معظم الراتب يذهب للأقساط.
وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية. تتأثر الزوجة، ويشعر الأبناء بضعف والدهم، بينما هو يحمل في داخله براكين من الهم لا يعلمها أحد. وقد يلجأ بعضهم إلى شركات تمويل ذات تكاليف مرهقة، فتزداد الديون، وتبدأ الكمبيالات، وترتفع الأقساط، حتى يصل الأمر إلى إيقاف الخدمات، وربما السجن، ثم تتفكك الأسرة، ويكبر الأبناء وهم يدفعون ثمن قرار لم يكن محسوبًا.
ولله الحمد، وفرت حكومتنا -أيدها الله- برامج إسكان ودعمًا للفئات المستحقة، وأصبحت هناك حلول ميسرة لكثير ممن دخولهم محدودة، تساعدهم على التملك دون أن يعيشوا تحت ضغط لا يُحتمل.
في النهاية، بيت العمر ليس البيت الذي يستنزف أعمارنا، بل البيت الذي تضحك فيه الأسرة، ويعيش فيه الأب مطمئنًا، والأم مرتاحة، والأبناء لا يشعرون أن سقف المنزل بُني على حساب طفولتهم.