كُتاب الرأي

الرياض… حين بدأت الحكاية

٢٣ سيبتمبر

الرياض… حين بدأت الحكاية

بدر بن سالم

بعد أذان الفجر، كانت الرياض تستيقظ على صوت المنادي.

لم يكن الصوت يعلن ولادة ملكٍ يحكم مدينة، بقدر ما كان يعلن ولادة حكايةٍ بين حاكمٍ وشعب؛ حكاية وطنٍ لا يتجزأ فيه الحاكم عن شعبه، ولا الشعب عن أرضه.

كان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود قد عاد إلى الرياض، المدينة التي كانت الرمال تضرب أبوابها، وتحاصرها من جهاتها، مدينةً صغيرة تتنفس من مزارعها ونخيلها، وتعرف أهلها واحدًا واحدًا.

كانت للرياض أبوابها، وللأبواب حكاياتها.

الثميري، ودخنة، والمذبح، والشميسي، وآل سويلم… أبواب تفتح بعد الفجر وتغلق بعد العشاء، ولا يُفتح الليل منها إلا لحاجة.

وكان شارع الثميري أقدم شوارع الرياض، تمر فيه القوافل، ويأتيه التجار والحجاج، وتصطف على جانبيه الدكاكين؛ أقمشة وساعات وأحذية وبضائع جاءت من أماكن بعيدة. كان الشارع يومها صغيرًا في عيوننا، لكنه كان يحمل في داخله بذرة مدينة كبيرة.

لم تكن الرياض تعرف يومها ماذا تخبئ لها الأيام.

لم تكن تعرف أن المزارع التي تحيط بها ستفسح الطريق لأحياء تمتد حتى الأفق، وأن الدكان الصغير سيجاور يومًا أبراجًا تناطح السماء، وأن الطرق التي كانت تعرف وقع أقدام الناس والدواب ستعرف السيارات، ثم القطارات، ثم المترو.

كانت البداية إنسانًا.

وكانت الحكاية تعليمًا.

فمن الكتاتيب، حيث الخشب والطباشير وحروف القرآن على ألواح الصغار، بدأت رحلة طويلة نحو المدرسة الحديثة، ثم مديرية المعارف، ثم وزارة المعارف، ثم المدارس والمعاهد والجامعات والبعثات.

خرج ابن الرياض من مدينته يحمل كتابه، ثم عاد يحمل علمًا جديدًا.

وجاء المعلم العربي إلى الرياض، فجلس في فصلها، وصار أخًا لأهلها، مثلما جاء الطبيب والمهندس والموظف والتاجر من أقطار عربية مختلفة، فكبرت المدينة بهم، وكبروا بها.

كانت الرياض مدينةً تتسع للإنسان.

كان القادم إليها من الشمال يجد فيها أخًا من الشرق، وصديقًا من الجنوب، وزميلًا من الغرب، ثم تتحول الزمالة إلى مودة، والمودة إلى مصاهرة، والعائلة إلى عائلة أخرى.

وهكذا لم تكن الرياض تكبر بالحجر وحده.

كانت تكبر بالناس.

ثم جاء زمن تعبيد الطرق، واتسعت المدينة خارج أسوارها، وبدأت الرياض القديمة تفسح مكانها لرياض جديدة.

وفي خمسينيات القرن الماضي ظهر الملز كأحد أقدم الأحياء المخططة، بشوارعه المنتظمة ومساحاته المفتوحة، فكانت المدينة تتعلم للمرة الأولى كيف يكون للشارع تخطيط، وللحي ملامح جديدة.

ثم جاءت العمارة.

خرج البيت الطيني شيئًا فشيئًا من المشهد، وحل محله البناء المسلح، وبدأت الرياض تصعد.

وكانت عمارة الباخرة واحدة من الصور التي حفظها أهل الرياض في ذاكرتهم؛ مبنى غريب التصميم، يشبه باخرة راسية وسط المدينة، واحتضن في زمنه عيادات عدد من الأطباء العرب الذين أسهموا في الحياة الطبية بالرياض.

ثم جاءت عمائر أخرى.

وتغير وجه المدينة.

ثم جاءت الجامعات.

ثم الأبراج.

ثم الفيصلية، والمملكة، وريڤال، وأبراج المال والأعمال.

وأصبحت الرياض التي كانت تعرف حدودها من أبواب سورها، مدينةً لا تكاد تعرف أين تنتهي.

وفي قلب هذه الرحلة الطويلة، كان رجلٌ يتابع نمو الرياض لعقود.

الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي تولى إمارة الرياض بالنيابة عام 1954، ثم أصبح أميرًا لها عام 1955، وعاد إلى الإمارة عام 1963، وظل فيها حتى عام 2011. وهي أطول مدة قضاها أمير في إمارة الرياض، وشهدت خلالها المدينة تحولًا هائلًا في بنيتها وخدماتها وعمرانها.

من الرياض القديمة إلى الرياض الجديدة…

من الباب الطيني إلى الطريق الواسع…

من الكتّاب إلى الجامعة…

من المزرعة إلى ناطحة السحاب…

لم تكن تلك مجرد سنوات مرت.

كانت أجيالًا صنعت مدينة.

واليوم، حين تنظر الرياض إلى نفسها، لا ترى الماضي بعيدًا عنها؛ تراه في أسماء شوارعها، وفي أسواقها، وفي قصص كبار السن، وفي البيوت التي بقيت شاهدة على زمنها.

وتنظر إلى المستقبل.

إلى مدينة الثقافة، ومدينة الاقتصاد، ومدينة الأحلام الكبيرة.

إلى الرياض التي تستعد لـ2030.

وكأن عبدالعزيز، يوم وقف في بدايات الحكاية، لم يكن ينظر إلى مدينة صغيرة تحيط بها الرمال…

بل كان يرى شيئًا أبعد.

كان يرى وطنًا.

وقال مهندس الكلمة الأمير بدر بن عبدالمحسن:

«ما أجمل الرياض تالي الليل
لو أبي آخذها بيدها ومشينا»

ولعل أجمل ما في الرياض…

أنها منذ ذلك الصباح البعيد، لم تتوقف عن المشي.

كاتب رأي 

 

 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.