كُتاب الرأي

عنترة بن شداد مؤسِّس انتهاز الفرصة”

عنترة بن شداد مؤسِّس انتهاز الفرصة”

بدر بن سالم

كنتُ مع المهندس علي بن ناصر اليعيشي، من اليمن الشقيق، ذلك الرجل الذي يتميز أهله بالأصالة، وكان يتحدث عن انتهاز الفرص والتطور في مجال العمل.
رآني فقال ضاحكًا:
«ما هي بجعبتك يا أبا فهد؟»
قلت: عنترة بن شداد.
فأنا أرى أن عنترة من أوائل من جسّدوا معنى انتهاز الفرصة، وإن كانت حكايته تروى في السيرة الشعبية بتفاصيل تختلف من رواية إلى أخرى.
كان عنترة قد بلغ من الشجاعة والفروسية مبلغًا عظيمًا، ومع ذلك كان أبوه شداد لا يعترف به اعتراف الابن الحر؛ لأن أمه كانت جارية، فظل عنترة يعاني من نظرة قومه إليه، رغم أنه كان فارسًا لا يُشق له غبار.
وتروي السيرة الشعبية مشهدًا شديد الدلالة على قهر عنترة من أبيه.
كان عنترة في حصن الأبجر، ثم نزل منه يحمل سطل الحليب متجهًا إلى الماعز، فإذا بشداد يناديه:
«هلمَّ إليَّ يا عنترة!»
فالتفت إليه عنترة وقال بمرارة:
«أنا لا أعرف الكرَّ يا سيدي، إنما أعرف حلب الحليب.»
كانت الجملة أكثر من ردّ؛ كانت عتابًا عمره سنوات.
فهو الذي يحمل السيف في ساحات القتال، ويهاب الأعداء صليل سيفه، ها هو يحمل سطل الحليب لأن أباه لم يمنحه بعد المكانة التي يستحقها.
عندها صاح شداد:
«أنت عنترة بن شداد!»
وهنا لم تكن الكلمة مجرد اعتراف بالنسب، بل كانت فتحًا لباب ظل عنترة واقفًا خلفه طويلًا.
والتفت عنترة إلى الأمير زهير، وكأن لحظة الاعتراف قد جاءت أخيرًا.
ولعل أقسى ما في المشهد أن عنترة لم يكن يجهل قدر نفسه؛ كان يعرف أنه فارس، لكن القهر أن يرى الإنسان نفسه كبيرًا، بينما يصر الآخرون على معاملته صغيرًا.
وهنا تأتي الفرصة.
فالفرصة ليست دائمًا مالًا أو وظيفة أو مشروعًا؛ أحيانًا تكون لحظة يثبت فيها الإنسان قيمته، ويحوّل القهر الذي عاشه إلى قوة تدفعه إلى الأمام.
لكن عنترة، مع كل الفرص التي اقتنصها في ساحات المجد، تأخر في اقتناص فرصته مع عبلة!
وهذه من مفارقات الحياة؛ قد يكون الإنسان شجاعًا في ميادين العمل، مترددًا في ميدان قلبه.
انتهاز الفرصة، عزيزي القارئ، لا يجعلك ضبعًا يبحث بين الجيف، بل يجعلك أنت من يبحر داخل المرجان بحثًا عن اللؤلؤ في المحار.
ونيلسون مانديلا نموذج آخر.
حاول النضال ضد نظام الفصل العنصري، فسُجن وقضى 27 عامًا خلف القضبان، معظمها في ظروف قاسية.
خرج من السجن عام 1990 بعد ضغوط ومفاوضات داخلية ودولية، ولم يخرج رجلًا يبحث عن الانتقام، بل رجلًا يبحث عن فرصة لبناء وطن جديد.
وفي عام 1993 حصل على جائزة نوبل للسلام، ثم أصبح عام 1994 أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا.
بعض الفرص، عزيزي القارئ، لا تأتيك في يوم أو شهر.
بعضها يحتاج إلى سنوات.
وقد يطول الانتظار، ويكثر الخذلان، ويشفق عليك البعض لأنهم يرونك تركض وراء سراب.
لكن لا أحد يعرف ما الذي ينتظر الإنسان خلف ذلك السراب.
وقد قال الشاعر:
إذا كنتَ في شرفٍ مَرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
ومن النماذج التي لا يمكن تجاهلها بيل غيتس.
لم يكن غيتس مالكًا لشركة عملاقة منذ البداية، بل أسس Microsoft مع بول ألين عام 1975، وكان يرى في الحاسب الشخصي مستقبلًا لم يكن الجميع يراه.
ثم جاءت الفرصة الكبرى.
شركة IBM كانت تبحث عن نظام تشغيل لحاسبها الشخصي، واستطاع غيتس أن يدخل من ذلك الباب، فحصلت Microsoft على صفقة ترخيص لنظام التشغيل الذي أصبح MS-DOS.
هنا لم تكن العبقرية في امتلاك كل شيء، بل في معرفة أين توجد الفرصة.
رأى غيتس سوقًا قادمًا، فدخل إليه قبل أن يصبح السوق مكتظًا.
وهذه هي الفرصة:
أن ترى ما لا يراه الآخرون.
أن ترى المستقبل في لحظة لا يرى فيها الناس إلا الحاضر.
وبعض الناس، عزيزي القارئ، لا يعلم أن من الفحم يخرج الألماس، وأن من رائحة مُنتِنة  من جوف  الحوت يخرج العنبر، وأن بين النار يخرج المعدن صافيًا من شوائبه.
قد تكون بدايتك صغيرة، وقد تكون ظروفك قاسية، وقد يسخر منك الآخرون، لكن قيمة البداية ليست في حجمها، بل فيما تستطيع أن تصنعه منها.
وقصة عائلة مارس مثال آخر على أن البدايات الصغيرة يمكن أن تتحول إلى إمبراطوريات.
بدأت قصة Mars من صناعة الحلوى على نطاق صغير، ثم نمت عبر الأجيال حتى أصبحت من أكبر الشركات العائلية في العالم.
فالفرصة قد تبدأ من مطبخ، أو مكتب صغير، أو فكرة لا يلتفت إليها أحد.
لكن الإنسان الذي يعرف قيمة ما بين يديه يستطيع أن يحول القليل إلى كثير.
ومن المحزن أن بعض الناس حين تأتيه الفرصة لا يعرف قيمتها، وحين تذهب عنه يعرف أنه كان يمسك بيده بابًا كان يمكن أن يغير حياته.
الساحة كبيرة جدًا، فلا تضيق بنفسك.
كن واثقًا بأن الله معك، ولا تتسرع.
ولا تتحدث عن مشروعك لكل أحد؛ فالسمكة تُصاد حين تفتح فمها.
اعمل بصمت، ودع نتائجك تتحدث عنك.
واعلم يقينًا أن البدايات الصغيرة مثل جناح الطير الكاسر؛ لا يستطيع أن يطير إلا حين يكتمل ريشه.
قد تبدأ بريشة واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة، حتى يأتي اليوم الذي تفتح فيه جناحيك وتحلق.
فلا تحتقر بدايتك.
ولا تجعل تأخر الفرصة يعني أنها لن تأتي.
فقد تكون فرصتك مختبئة خلف سنوات من الصبر، أو خلف موقف قاسٍ، أو خلف باب ظننته مغلقًا.
المهم أن تكون مستعدًا حين يُفتح الباب.
فالفرصة لا تصرخ دائمًا:
«أنا فرصتك.»
أحيانًا تأتيك في صورة سطل حليب!
لكن الفارس الحقيقي يعرف متى يضع السطل جانبًا، ويحمل السيف.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.