كُتاب الرأي

مطلقة باريس

مطلقة باريس

بدر بن سالم 

الزواج ليس انتصار أحد الزوجين على الآخر، بل مساحة من التنازل، والتفاهم، والرحمة. ونجاحه لا يعني غياب الخلاف، بل حسن التعامل معه. أما الطلاق، فليس دائمًا نتيجة خطأ جسيم، فقد يقع أحيانًا لأسباب لا يعلمها إلا الله.

حدثتني إحدى الأخوات عن سبب طلاقها، وكان من أغرب ما سمعت.

قالت:

«”كنت في الرابعة والعشرين من عمري، وكان الناس يكثرون من مدحي. تزوجت شابًا في الخامسة والعشرين، وسافرنا لقضاء شهر العسل في باريس، وأقمنا في فندق قريب من برج إيفل. ظننت أن حياتي بدأت، لكن بعد أربعة أيام فقط أعادني إلى الرياض. تركني عند أهلي، ثم مضى أسبوع، فشهر، دون اتصال أو سؤال. بكيت أمام والدي، وقلت له: ما زلت بكرًا، ولم يقترب مني زوجي.”»

اتصل والدها بزوجها، فقال بكل هدوء:

«”يا عم، ابنتك تتمناها أي عين، لكن الله لم يكتب لنا طريقًا واحدًا.”»

ثم وقع الطلاق.

وبعد سنوات، قالت لي:

«”سيُعقد قراني مرة أخرى، لكني أخشى أن يتكرر ما حدث. ما زلت أتذكر أنه في الفندق تركني، ونام على أريكة الصالة، ولم يقترب مني.”»

فقلت لها:

لعل في الأمر نعمة لم تريها وقتها. فلو أراد أن يظلمك لاستطاع أن يترك في نفسك جرحًا أكبر، لكنه اختار أن يفترق عنك قبل أن يمسك بسوء. لم يكتب الله التوافق بينكما، وهذا يحدث في حياة كثير من الناس. فلا تدخلي زواجك القادم وأنت أسيرة الماضي، بل ادخليه بالدعاء، والاستخارة، وحسن الظن بالله، واسأليه أن يرزقك الزوج الذي يكون خيرًا لك.

ومضت السنوات…

ثم وصلتني رسالة من رقم لا أعرفه، قالت صاحبتها:

«”أنا أكلمك من رقم مختلف، فأنت لا تحفظ أرقام من يطلبون الاستشارة. أنا مطلقة باريس.”»

ثم كتبت:

«”أبشرك، رزقني الله زوجًا صالحًا، وأصبحت أمًا لثلاثة أبناء؛ ولدين وبنت. وأهداني زوجي بيتًا وسيارة، وكان خيرًا لي مما ظننته يومًا. واعلم أنك حاضر في دعائي دائمًا.”»

حينها ازددت يقينًا أن بعض النهايات التي نبكي عليها، ليست إلا بداياتٍ أعدّها الله لنا برحمته. فليس كل باب يُغلق خسارة، فقد يكون وراءه بابٌ أوسع، وخيرٌ لم يكن في الحسبان.

كاتب رأي 

 

 

بدر بن سالم

كاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.