كُتاب الرأي
وحين تكون السماء جزءًا من حكاية الوطن

وحين تكون السماء جزءًا من حكاية الوطن
بدر بن سالم
وحين نتحدث عن الأرض، لا يمكن أن ننسى السماء.
فوق هذه الجبال والأودية والقرى والمدن، مرت طائرات كثيرة، ولم يكن كل تحليقٍ رحلةً عادية.
هناك طائرات أقلعت ووراءها دعاء أم.
وهناك رجال صعدوا إلى السماء، وهم يعرفون أن مهمتهم ليست مجرد عمل ينتهي بانتهاء ساعات الدوام.
وفي تاريخ المملكة أحداثٌ مرّت علينا، بعضها كتبته الصحف، وبعضها بقي في ذاكرة الناس أكثر مما بقي على الورق.
أيامٌ كانت فيها السماء أكثر ازدحامًا بالقلق.
وأيامٌ كانت فيها الحدود تحتاج إلى عينٍ لا تنام.
وأيامٌ كان الوطن فيها ينظر إلى السماء، فيرى رجالًا يعرفون أن حماية الأرض تبدأ أحيانًا من ارتفاع آلاف الأقدام.
وأذكر أن أحدهم حدثني يومًا وقال لي:
أنت كاتب، لكني لم أجد في كتاباتك حديثًا عن القوات المسلحة ولا الحرس الوطني.
توقفت عند سؤاله.
فقلت في نفسي:
هل نسيتهم فعلًا؟
أم أنني اعتدت أن أكتب عن جمال المكان، حتى نسيت من وقف يحمي هذا المكان؟
وتذكرت حكاياتٍ كثيرة.
تذكرت رجلًا كان يقود طائرة مقاتلة في عهد الملك فيصل رحمه الله، وكان يُروى عن شجاعته ومهارته في الطيران، حتى كان يتعامل مع طائرته في السماء بثقة فارسٍ يعرف كيف يلاعب الخطر ولا يهاب الموت.
وحين سأل الملك فيصل عنه، قيل له:
إنه الأمير بندر بن سلطان.
ضابطٌ في القوات الجوية قبل أن ينتقل لاحقًا إلى العمل الدبلوماسي والسياسي.
ولست هنا لأروي بطولة رجلٍ بعينه، بقدر ما أتساءل:
كم من رجلٍ مر في تاريخ هذا الوطن، عرفه أهله ولم يعرفه الناس؟
وكم من بطلٍ أدّى واجبه ثم عاد إلى بيته، وكأن شيئًا لم يحدث؟
وهنا أتذكر دور وزارة الدفاع والقوات الجوية، لا باعتبارها مؤسسة عسكرية فحسب، وإنما باعتبارها جزءًا من قصة وطنٍ عرف أن أمنه لا يُترك للصدفة.
ولا أنسى الحرس الوطني والقوات المسلحة، حين امتدت مسؤولية حماية الأمن إلى خارج حدود الوطن، فكان هناك من عبر البحر، ومن وقف في أرض شقيقة، ومن حمل همّ أمنها كما يحمل همّ وطنه.
وفي الخفجي، وغيرها من المواقع التي عرف أهلها معنى الخطر حين اقترب، كان هناك رجالٌ لم ينتظروا أن يصل الخطر إلى أبواب البيوت.
كانوا هم بين الخطر والناس.
وهكذا هو الجندي.
قد لا تعرف اسمه.
ولا تعرف من أي مدينة جاء.
ولا تعرف ماذا ترك خلفه.
لكنك تعرف شيئًا واحدًا:
أنه كان هناك.
واليوم، حين نتحدث عن أبطال الحد الجنوبي، ربما نختصر الحكاية في كلمة:
بطل.
لكن ماذا تعني كلمة بطل؟
نقول عن لاعبٍ في الملعب: بطل، لأنه راوغ المدافعين وسجل هدفًا.
أما ذاك الذي يراوغ الخطر، ويقف في ظلام الليل، ويرى في السماء ما لا نراه، ويحمل سلاحه، ثم إذا جاء وقت الصلاة ترك كل شيء ووقف بين يدي ربه…
فأي كلمة تكفيه؟
ذاك هو المغوار.
الرجل الذي قد يكون الليل حوله شديدًا، لكنه لا يسمح للخوف أن يكون أشد منه.
يراقب.
ويحمي.
ويصلي.
ثم يعود إلى موقعه.
وقد لا يعرف أحدٌ في بيته ماذا حدث في تلك الساعات.
ولا تحتاج البطولة دائمًا إلى صورة.
بعض البطولات يكفيها أن ينام أهلك آمنين.
وهنا أتذكر أيضًا رجال الدفاع المدني والطوارئ والأجهزة الأمنية عامة.
ففي لحظات السيول، حين تتحول المياه الهادئة إلى قوة لا تعرف طريقًا، يظهر رجالٌ يدخلون حيث يخرج الآخرون.
رجلٌ ينقذ غريقًا.
وآخر يصل إلى أسرة حاصرتها المياه.
وثالث يقف في مكانٍ لا يعرف إن كان سيعود منه، لكنه يعرف أن هناك إنسانًا ينتظر النجدة.
هذه التفاصيل لا تظهر دائمًا في الصور الرسمية.
لكنها تظهر في قلوب الناس.
والتاريخ ليس كله معارك وصورًا وأسماء.
أحيانًا يكون التاريخ لحظة صمت.
لحظة ينتظر فيها الوطن عودة رجلٍ ذهب ليؤدي واجبه.
لحظة تنتظر فيها أمٌ ابنها.
وزوجةٌ زوجها.
وأبٌ لا يريد أن يسأل كثيرًا حتى لا يسمع جوابًا يخيفه.
ولذلك حين نرى طائرةً تحلق اليوم فوق مدننا، ربما لا ننتبه إلى المسافة التي قطعتها المملكة حتى أصبح صوتها جزءًا طبيعيًا من حياتنا.
نراها تمر فوقنا…
ثم نعود إلى حديثنا.
لكن خلف ذلك المشهد حكايات رجال، وتضحيات أسر، وأيام لم تكن السماء فيها مجرد سماء.
كانت مسؤولية.
وكانت أمانة.
وكان هناك من يقف بين الخطر وبين الناس.
ولعل أجمل ما في الوطن أن أبناءه لا يحتاجون دائمًا إلى أن يعرفوا كل التفاصيل حتى يعرفوا معنى التضحية.
يكفي أن تقول:
هناك رجالٌ في مكانٍ ما، يؤدون واجبهم، حتى ننام نحن مطمئنين.
وهذا وحده…
حكاية تستحق أن تُروى.
