في ظلال المسرح

خطأ الممثل قراءة مسرحية في التفاصيل

خطأ الممثل قراءة مسرحية في التفاصيل

بقلم / أ.محمد مفرق

تسقط من ذاكرته جملةٌ حفظها عشرات المرات. يتوقف للحظة ، يبحث عن الكلمة التي اختفت فجأةً من المكان الذي كانت تسكنه دائماً . آلاف العيون أمامه ، فلا فرصة لإعادة المشهد ، ولا مخرج يستطيع أن يكتب له تلك اللحظة من جديد : إنها لحظة الخطأ .

لكن ماذا يحدث للممثل عندما يخطئ أمام الجمهور ؟
المسرح فنٌّ غريب؛ يمنح الممثل نصاً محفوظاً ، وحركةً مدروسة ، وإضاءةً محسوبة ، وإيقاعاً تدرب عليه طويلاً ، ثم يضعه في مساحة لا تسمح له بإيقاف الزمن . كل شيء يمكن أن يحدث مرةً واحدةً فقط ، ولذلك يبقى احتمال الخطأ قائماً مهما بلغ التدريب .
لكن المشكلة ليست في الخطأ وحده، بل في ما يفعله الممثل بعد الخطأ . هنا تبدأ العلاقة الحقيقية بين الخطأ والارتجال .
فالارتجال ليس حيلةً يلجأ إليها الممثل عندما ينسى نصه ، ولا مساحةً لاستعراض قدرته على اختراع الكلام . إنه القدرة على استمرار الفعل المسرحي عندما يتغير ما كان متوقعاً .
قد تضيع الجملة ، لكن المعنى الذي تقود إليه لا يضيع بالضرورة .
الممثل الذي فهم دوافع الشخصية وعلاقاتها ومسارها يستطيع أن يعثر على عبارة أخرى ، أو يتخذ حركةً جديدة ، أو يمنح الصمت معنىً يتيح للمشهد أن يستمر . أما الممثل الذي بنى أداءه على التسلسل المحفوظ وحده ، فقد يجد نفسه أمام فراغ لا يعرف كيف يعبره .
وهنا يصبح الخطأ كاشفاً لمستوى امتلاك الممثل لدوره .
الذي يحفظ الطريق قد يتوقف إذا اختفت منه إحدى العلامات ، أما الذي يعرف وجهته فيستطيع أن يبحث عن طريق آخر .
ومن هنا يمكن النظر إلى البروفة بصورة مختلفة . ليست مهمتها أن تجعل العرض محصناً ضد المفاجآت ؛ فهذا مستحيل . مهمتها أن تمنح الممثل معرفةً عميقةً بالمشهد تجعله قادراً على التعامل مع ما يقع خارجه .
ماذا لو نُسيت جملة؟
ماذا لو أخطأ الشريك؟
ماذا لو تأخرت الإضاءة؟
ماذا لو جاء رد الجمهور على غير المتوقع؟
هذه الاحتمالات لا تدرَّب جميعها بوصفها أخطاءً يجب التخلص منها ، وإنما بوصفها مواقف تحتاج إلى استجابة مسرحية ذكية .
وهنا يظهر الفارق بين الارتجال والفوضى .
الارتجال الحقيقي لا يعني أن يفعل الممثل ما يشاء؛ بل أن يملك حرية التصرف دون أن يفقد منطق المشهد . أن يغير الوسيلة ويحافظ على الغاية . أن يبتعد عن الجملة الأصلية دون أن يبتعد عن مقصدها . أن يستوعب المفاجأة دون أن يسمح لها بابتلاع العرض .
ولذلك قد يكون أجمل الارتجال هو الذي لا يكتشفه الجمهور .
فاللحظة التي ينقذ فيها الممثل خطأً دون أن يشعر المتفرج بوجود خطأ أصلاً ، هي لحظة انتصار للفعل المسرحي على العثرة .
وقد يحدث العكس أيضاً ؛ أحياناً يلاحظ الجمهور الخطأ ، لكن طريقة التعامل معه تحول دون تحوله إلى أزمة . وربما ينساه بعد ثوان ، بينما يبقى المشهد متماسكاً في ذاكرته .
وهنا لا يصبح السؤال : هل أخطأ الممثل ؟
بل يصبح السؤال الأهم :
هل سمح للخطأ بأن يوقف المسرح ؟
الممثل المحترف لا يسعى إلى الخطأ ، والارتجال لا يعفيه من الاستعداد . كلما كان التحضير أكثر عمقاً ، أصبحت مساحة الإنقاذ أوسع عندما تحدث المفاجأة .
فالإتقان ليس أن تسير في الطريق المرسوم دون انحراف ، وإنما أن تعرف كيف تعود إلى الطريق من دون أن يشعر أحد بأنك خرجت منه. وربما تكمن إحدى أجمل خصائص المسرح هنا : أن كل عرض يحمل احتمالاً صغيراً لما لم يُخطط له ، وأن هذا الاحتمال هو ما يمنح اللحظة المسرحية شيئاً من فرادتها .
قد يخطئ الممثل في جملة ، أو حركة، أو توقيت ؛ لكن الخطأ الحقيقي يبدأ فقط عندما يتوقف العرض عنده .
أما إذا استطاع أن يحوّل العثرة إلى فعل، والمفاجأة إلى استجابة ، والخروج عن المسار إلى طريق جديد يقود إلى المعنى نفسه ، فإن الخطأ لا يعود مجرد خطأ .
بل يصبح جزءاً من الحكاية التي لم تُكتب ، ولم يكن أحد يعرف أنها ستحدث .

إعلامي ومسرحي 

 

محمد مفرق

إعلامي ومسرحي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.