في ظلال المسرح

صناعة الأوبريت المدرسي

صناعة الأوبريت المدرسي

بقلم أ. أماني الزيدان

لم يعد الأوبريت المدرسي مجرد فقرات غنائية تقدم في مناسبة وطنية أو احتفالية، بل أصبح بالإمكان أن يتحول إلى عمل فني وتربوي متكامل، يجمع بين المسرح والموسيقى والشعر والأداء الجماعي والصورة والوسائط الرقمية. وتبدأ صناعة الأوبريت من فكرة واضحة، تتحول إلى نص يحمل رسالة تربوية أو وطنية، ثم تتكامل عناصره من الحوار والغناء والحركة والمشهد البصري، ليصبح الطالب والطالبة جزءًا من صناعة العمل، وليس مجرد مؤدٍ أو مؤدية على خشبة المسرح.

ومن خلال تجربتي في صناعة الأعمال المسرحية والوطنية، أرى أن الأوبريت المدرسي يحتاج إلى رؤية تتجاوز فكرة جمع الفقرات الغنائية والاستعراضية؛ فالأوبريت الناجح هو الذي يمتلك حكاية، ويتحرك في مسار درامي واضح، وتتكامل فيه الكلمة مع الموسيقى والحركة والصورة. ولذلك فإن كتابة الأوبريت تبدأ من تحديد الفكرة والرسالة، ثم بناء الحكاية والشخصيات والمشاهد، وصولًا إلى الأغاني التي تأتي جزءًا من البناء الدرامي، وليست فواصل منفصلة عنه.

كما أن الطالب والطالبة ينبغي أن يكونا محورًا أساسيًا في هذه الصناعة؛ فلكل مشارك ومشاركة قدرات وميول مختلفة، فمنهم من يمتلك موهبة التمثيل، ومنهم من يبدع في الإنشاد أو الإلقاء أو الحركة أو الأداء الجماعي. ومن هنا تأتي أهمية توزيع الأدوار بطريقة تمنح الجميع فرصة للمشاركة وإظهار مواهبهم، وتجعل المسرح المدرسي مساحة لاكتشاف الطاقات وتنميتها.

وتكمن قيمة الأوبريت المدرسي أيضًا في قدرته على تحويل القيم والمفاهيم إلى تجربة حية؛ فالطالب والطالبة لا يستمعان فقط إلى الحديث عن الوطن أو التعاون أو الطموح، بل يشاركان في تجسيد هذه المعاني من خلال الكلمة والحركة والغناء والمشهد. وبذلك يصبح الأوبريت وسيلة تربوية تجمع بين التعلم والممارسة، وتنمي الثقة بالنفس والانضباط والعمل الجماعي.

وتحتاج صناعة الأوبريت إلى تكامل عدد من العناصر الفنية؛ فالكاتب يبني الفكرة والنص، والمخرج يحول النص إلى مشاهد وحركة، والموسيقي يصنع الهوية الصوتية للعمل، بينما تتكامل الإضاءة والديكور والملابس والمؤثرات البصرية لتكوين الصورة النهائية. وكلما كان هناك انسجام بين هذه العناصر، أصبح العمل أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه.

وفي عصر التقنية، أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تقديم أدوات جديدة لصناعة الأوبريت المدرسي، من توليد الأفكار وتطوير المعالجة الدرامية، إلى اقتراح التصورات البصرية والخلفيات، والمساعدة في إنتاج الموسيقى والمؤثرات والمواد الرقمية. لكن هذه الأدوات تظل وسائل مساعدة، لأن الفكرة والرؤية الفنية والرسالة التربوية والقرار الإبداعي يجب أن تظل بيد الإنسان.

ومن خلال التجربة، أرى أن من أهم عوامل نجاح الأوبريت المدرسي أن يُكتب العمل وفق إمكانات المدرسة والطلاب والطالبات، لا أن تُفرض على المدرسة فكرة تتجاوز قدراتها. فعدد المشاركين، وأعمارهم، ومهاراتهم، والمساحة المتاحة، والإمكانات التقنية، كلها عناصر يجب أن تؤخذ في الاعتبار منذ لحظة كتابة الفكرة.

وهنا تتحول صناعة الأوبريت المدرسي من مجرد إعداد عرض احتفالي إلى مشروع فني تربوي متكامل؛ يبدأ بفكرة، ثم تتحول الفكرة إلى حكاية، والحكاية إلى نص، والنص إلى موسيقى وحركة وصورة، ثم إلى تجربة يعيشها الطالب والطالبة على خشبة المسرح.

إن الأوبريت المدرسي يمكن أن يكون مدرسة أخرى للمواهب؛ يكتشف فيها الطالب والطالبة قدراتهما، ويتعلمان العمل مع الآخرين، ويجدان مساحة للتعبير والإبداع. ومع توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، يمكن أن ننتقل بالأوبريت المدرسي من مجرد فقرة في مناسبة إلى صناعة فنية تحمل رسالة، وتبني تجربة، وتصنع أثرًا يبقى في ذاكرة الطالب والطالبة والجمهور.

كاتبة مسرح 

 

 

اماني سعد الزيدان

كاتبة رأي ورواية مسرحية ومشرفة على في ظلال المشهد المسرحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.