حين يضحك المتفرج على مأساته

حين يضحك المتفرج على مأساته
بقلم أ. أماني الزيدان
ليس المسرح فضاءً للترفيه فحسب، بل هو مرآة تعكس تناقضات الإنسان والمجتمع، وتعيد تشكيل الواقع بأدوات فنية تجعل المألوف غريبًا، والغريب مألوفًا. ومن بين أكثر الأساليب المسرحية قدرةً على تحقيق هذا التحول الجمالي والفكري يأتي الغروتسك، بوصفه لغةً مسرحية تمزج بين الضحك والألم، وبين السخرية والرعب، وبين الجمال والقبح، لتقدم رؤية نقدية للعالم.
تعود كلمة Grotesque إلى عصر النهضة الإيطالية، حين اكتُشفت زخارف غريبة في سراديب القصور الرومانية القديمة، فوصفت بأنها رسوم تجمع بين الإنسان والحيوان والنبات في هيئة واحدة. ومع مرور الزمن تجاوز المفهوم الفنون التشكيلية ليصبح أحد أهم الأساليب الأدبية والمسرحية، قائمًا على تشويه الواقع بصورة فنية تكشف حقيقته العميقة.
في المسرح، لا يعني الغروتسك مجرد المبالغة أو السخرية، بل هو بناء درامي يجعل المتلقي يعيش حالة من التردد بين الضحك والانزعاج. فقد يضحك على موقف يبدو هزليًا، ثم يكتشف أن هذا الضحك يخفي مأساة إنسانية أو نقدًا لاذعًا للمجتمع. ومن هنا تنبع قوته؛ إذ لا يمنح الجمهور إجابات جاهزة، بل يدفعه إلى التفكير في المعنى الكامن خلف الصورة المشوهة.
يعتمد المسرح الغروتسكي على عدد من الخصائص الفنية، أبرزها المفارقة، وتشويه الشخصيات، والمبالغة في الأفعال، وتحويل الأشياء اليومية إلى رموز مقلقة، إضافة إلى المزج بين الكوميديا والتراجيديا في مشهد واحد. فالشخصية قد تكون مضحكة في مظهرها، لكنها مأساوية في مصيرها، والموقف قد يبدو ساخرًا، لكنه يكشف انهيار القيم أو اغتراب الإنسان.
ولا يهدف الغروتسك إلى تشويه الواقع من أجل التشويه، بل يسعى إلى فضح الزيف الاجتماعي والسياسي والإنساني. إنه يكشف هشاشة السلطة، ويعري الأقنعة، ويظهر الإنسان وهو يصارع تناقضاته الداخلية. لذلك ارتبط هذا الأسلوب بالنقد الاجتماعي والسياسي، وأصبح وسيلة فعالة لطرح الأسئلة الكبرى دون الوقوع في المباشرة أو الخطابة.
وقد وجد الغروتسك حضوره في أعمال عدد من كبار المسرحيين، مثل ألفريد جاري في مسرحيته الملك أوبو، التي قدم فيها صورة كاريكاتورية للسلطة، وصمويل بيكيت الذي مزج العبث بالسخرية السوداء، ويوجين يونسكو الذي كشف عبثية الواقع من خلال شخصيات تبدو غريبة لكنها تشبه الإنسان في حياته اليومية.
أما في المسرح العربي، فقد ظهرت ملامح الغروتسك في أعمال محمد الماغوط وسعد الله ونوس وغيرهما من الكتاب الذين استخدموا السخرية والتشويه الفني لكشف أزمات الإنسان العربي، وصراع الفرد مع السلطة، وانهيار الأحلام أمام قسوة الواقع.
ومن المهم التمييز بين الغروتسك والعبث؛ فمسرح العبث ينطلق من فكرة فقدان المعنى واللاجدوى الوجودية، بينما يستخدم الغروتسك التشويه والمفارقة والسخرية لكشف تناقضات الواقع وإعادة قراءته. قد يلتقي الأسلوبان في بعض السمات، لكن لكل منهما فلسفته الخاصة.
إن الغروتسك اليوم ليس مجرد اتجاه فني، بل أصبح وسيلة لفهم عالم تتزايد فيه المفارقات. فحين يصبح الواقع أكثر غرابة من الخيال، يغدو المسرح الغروتسكي قادرًا على التعبير عن هذا الاضطراب بلغة تجمع بين الضحكة والوجع، وبين السخرية والتأمل.
وأخيرا يمكن القول إن الغروتسك لا يدعونا إلى الضحك من الشخصيات، بل إلى الضحك من أنفسنا، ومن عالم صنعناه بأيدينا، إنه يذكرنا بأن المسرح الحقيقي لا يكتفي بعرض الواقع، بل يكشف ما يختبئ خلفه، ويمنحنا فرصة لرؤية الحقيقة في أكثر صورها غرابة وإثارة للتفكير.
كاتبة مسرح



