*إنتاج الاستقرار… ،*

*إنتاج الاستقرار… ،*
*معيار النفوذ في الشرق الأوسط .*
*رؤية ثلاثية استراتيجية .*
*الجزء الثاني .*
*من ينتج الاستقرار… يمتلك النفوذ .*
*مقال الجمعة .*
*الجمعة الموافق (17) يوليو 2026م .*
بقلم . اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .
*قال الله تعالى:*
*﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ .*
*(سورة الأعراف: الآية 56) .*
إنتهى الجزء الأول إلى أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس بحجم الترسانات العسكرية وحدها، وإنما بقدرة الدولة على تحويل عناصر قوتها الوطنية إلى إستقرار دائم. غير أن قيمة هذه الحقيقة لا تظهر في التنظير، وإنما في قدرتها على تفسير الواقع، والشرق الأوسط اليوم هو الساحة الأكثر وضوحا لاختبار هذه المعادلة.
فالمنطقة لم تعد مجرد إقليم غني بالطاقة أو ملتقى للقارات، بل أصبحت أحد أهم المراكز التي يعاد فيها تشكيل النظام الدولي. فمن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب، تمر شرايين الطاقة العالمية، وتعبر سلاسل الإمداد، وتتقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية للقوى الكبرى، الأمر الذي جعل استقرار المنطقة جزءا من استقرار الاقتصاد العالمي، لا شأنا إقليميا فحسب.
ومن هنا، تغيرت وظيفة القوة العسكرية. فلم يعد دورها الرئيس خوض الحروب، وإنما منع اندلاعها، وحماية الدولة، وتأمين البيئة التي تسمح للاقتصاد بالنمو، وللاستثمار بالاستمرار، وللتنمية بالازدهار. فالقادة العسكريون يدركون أن النجاح التكتيكي قد يحسم معركة، والنجاح العملياتي قد يحقق أهداف حملة، أما النجاح الاستراتيجي فهو وحده الذي يحول الإنجاز العسكري إلى أمن دائم يمنع عودة أسباب الصراع ويحفظ منجزات الدولة.
ولعل البيئة البحرية تقدم أوضح مثال على هذا التحول. فالبحر لم يعد مجرد فضاء جغرافي، بل أصبح شريانا يحمل الطاقة، والتجارة، والغذاء، والبيانات، عبر الموانئ، وخطوط الملاحة، وكابلات الاتصالات البحرية. ولذلك، فإن حماية الممرات البحرية لم تعد مهمة عسكرية فقط، بل مسؤولية استراتيجية تتداخل فيها اعتبارات الدفاع، والاقتصاد، والدبلوماسية، والقانون الدولي.
ومن هذا المنظور، لم تعد القوة البحرية الحديثة تقاس بعدد السفن والقطع القتالية وحدها، وإنما بقدرتها على حماية حرية الملاحة، وتأمين الموانئ والمنشآت الحيوية، وصون خطوط الطاقة وسلاسل الإمداد، ومواجهة التهديدات غير التقليدية، والعمل وفق قواعد القانون الدولي، بما يحفظ سيادة الدول ويعزز الثقة في الاقتصاد العالمي.
إن من يحمي البحر لا يحمي حدوده فقط، بل يحمي اقتصاده، وتجاراته، واستثماراته، وأمنه الوطني، ويؤمن أحد أهم مرتكزات الاستقرار الدولي. ولهذا، أصبح الأمن البحري اليوم جزءا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي الشامل.
وفي هذا السياق، تبرز دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي بوصفها إحدى أهم الكتل الجيوسياسية في العالم. فهي لا تمتلك موقعا استراتيجيا فريدا فحسب، بل تشرف على أكثر الممرات البحرية تأثيرا في حركة الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يضاعف مسؤوليتها في حماية الاستقرار الإقليمي والدولي.
وقد أثبتت التجربة، منذ تأسيس مجلس التعاون، أن العمل الجماعي يمثل الضمانة الأكثر فاعلية في مواجهة التحديات المشتركة. غير أن طبيعة المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التكامل الاستراتيجي الشامل، بحيث تصبح القدرات السياسية، والعسكرية، والبحرية، والسيبرانية، والاقتصادية، والتقنية، والصناعات الدفاعية، وأمن الطاقة، وسلامة سلاسل الإمداد، منظومة خليجية متكاملة تعمل برؤية واحدة، وتعزز الردع الجماعي، وترفع جاهزية المنطقة لمواجهة التحديات التقليدية وغير التقليدية.
وفي مقدمة هذا المسار، تؤدي المملكة العربية السعودية دورها القيادي، مستندة إلى ثقلها السياسي والاقتصادي والديني، وإلى رؤية وطنية جعلت الأمن والتنمية مشروعين متلازمين. فقد أثبتت التجربة أن الاستثمار في الإنسان، وتنويع الاقتصاد، وتطوير القدرات الدفاعية، وتعزيز الشراكات الدولية، ليست مسارات متوازية، بل منظومة واحدة تهدف إلى إنتاج الاستقرار بوصفه أهم مصادر القوة الوطنية والنفوذ المستدام.
وفي المقابل، أثبتت تجارب العقود الماضية أن السياسات القائمة على دعم الفاعلين المسلحين من غير الدول، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتهديد أمن الملاحة، لا تؤدي إلى بناء نفوذ مستدام، بل تفضي إلى إضعاف الدولة الوطنية، واستنزاف الموارد، وتعطيل التنمية، ورفع كلفة الأمن. وفي هذا الإطار، أسهمت السياسات التي انتهجها النظام الإيراني في عدد من أزمات المنطقة في تعقيد بيئة الأمن الإقليمي، وإطالة أمد النزاعات، والإضرار بأمن الخليج العربي والبحر الأحمر، وتقويض فرص بناء منظومة إقليمية أكثر استقرارا.
ومع ذلك، فإن المستقبل لا ينبغي أن يبنى على منطق المواجهة المستمرة، بل على إحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، وحسن الجوار، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، مع الاحتفاظ بقوة ردع موثوقة تمنع العدوان وتحمي المصالح الوطنية. فالسلام الحقيقي لا يولد من الفراغ، وإنما تحميه القوة المسؤولة، وتدعمه التنمية، وترسخه الثقة.
لقد أصبح الشرق الأوسط يقف اليوم بين مشروعين متباينين؛ مشروع يبني الدولة، ويستثمر في الإنسان، ويجعل التنمية ثمرة للأمن، ومشروع آخر يوظف الأزمات والصراعات والإرهاب باعتباره وسيلة لإدارة الإقليم. وبين هذين المشروعين ستتحدد ملامح المنطقة، وستتقرر مكانة دولها في العقود القادمة.
فالاستقرار ليس ثمرة القوة فقط، بل هو أعلى درجات حسن استخدامها. أما النفوذ الحقيقي، فلن يكون لمن يملك أكبر ترسانة، وإنما لمن يحسن تحويل القوة إلى أمن، والأمن إلى تنمية، والتنمية إلى مستقبل.
*ويبقى السؤال الأهم: كيف سيبدو الشرق الأوسط إذا انتصرت فلسفة الدولة على فلسفة الفوضى؟ وكيف ستعيد التحولات الدولية رسم موازين القوى في المنطقة؟ وما الدور الذي ستؤديه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، بقيادة المملكة العربية السعودية، في صياغة النظام الإقليمي الجديد؟* .
*ذلك ما سيتناوله الجزء الثالث والأخير، بإذن الله تعالى .*
كاتب رأي
