اليمن… الهدوء الذي يسبق العاصفه

اليمن… الهدوء الذي يسبق العاصفه
هناك قاعدة ثابتة في علم الجغرافيا السياسية تقول: إذا تحركت الدولة المحورية، أعادت المنطقة بأكملها ترتيب أوراقها.
وهذا ما يبدو أننا نقترب منه اليوم.
فمن يقرأ المشهد اليمني بمعزل عن التحولات الإقليمية، لن يرى سوى معارك متفرقة، وتصريحات سياسية، وهدنات تتكرر ثم تنهار. أما من يقرأ الصورة الكاملة، فسيدرك أن اليمن لم يعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل أصبح أحد أهم مفاتيح الأمن الإقليمي، وأن مستقبله بات مرتبطًا مباشرةً بإعادة تشكيل منظومة الأمن في الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار الأزمة اليمنية لم يكن نتيجة قوة الحوثيين وحدها، بل نتيجة تشابك مصالح دولية، وتباين أولويات إقليمية، وانقسام القوى اليمنية نفسها.
لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن الصراعات لا تستمر إلى الأبد، وأنها تبلغ مرحلة يصبح فيها استمرار الوضع القائم أكثر كلفة من تغييره.
ويبدو أن المنطقة تقترب من هذه المرحلة.
فالمملكة العربية السعودية لم تنظر إلى اليمن يومًا باعتباره ملفًا سياسيًا عابرًا، بل باعتباره جزءًا من أمنها القومي، وامتدادًا طبيعيًا لاستقرار الجزيرة العربية.
ومنذ اندلاع الأزمة، جمعت الرياض بين مسارين متوازيين: السعي إلى الحلول السياسية متى كانت ممكنة، مع الحفاظ على جاهزية أمنية وعسكرية تحول دون تحول اليمن إلى منصة تهدد أمن المملكة أو أمن الملاحة الدولية.
هذه المقاربة لم تكن تعبيرًا عن تردد، بل عن رؤية إستراتيجية تقوم على أن السلام الحقيقي لا يصنعه السلاح وحده، كما أن القوة وحدها لا تكفي لبناء الاستقرار.
واليوم، ومع تغير البيئة الإقليمية، وتزايد الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تبدو الحسابات التي حكمت السنوات الماضية وكأنها تدخل مرحلة مراجعة شاملة.
وليس من الصعب ملاحظة أن الملفات الأمنية في المنطقة أصبحت أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، وأن أمن الطاقة، وسلامة الملاحة، وحماية خطوط التجارة العالمية، أصبحت عناصر أساسية في رسم السياسات الإقليمية والدولية.
وفي قلب هذه المعادلة، تقف المملكة العربية السعودية باعتبارها الدولة الأكثر تأثيرًا في صياغة مستقبل الاستقرار الإقليمي، ليس بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي فحسب، بل لأنها تمتلك رؤية طويلة المدى تقوم على أن استقرار الجوار هو امتداد مباشر لاستقرارها الوطني.
ومن هنا، فإن قراءة المؤشرات الحالية لا توحي بأن المنطقة تتجه نحو إدارة الأزمة فقط، بل ربما نحو مرحلة جديدة تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية بأكملها.
ولا يعني ذلك أن حسم المعركة في صنعاء أصبح أمرًا مؤكدًا أو وشيكًا، فمثل هذه النتائج لا يمكن الجزم بها، لأنها تعتمد على قرارات سياسية وعسكرية معقدة، وعلى توازنات قد تتغير بسرعة.
إلا أن ما يمكن قوله بثقة هو أن المؤشرات تتجه نحو مرحلة مختلفة عن كل ما عرفناه خلال العقد الماضي.
مرحلة قد تكون حبلى بمتغيرات كبرى، تتجاوز اليمن نفسه، وتمتد إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد: هل سيتغير المشهد؟
بل أصبح: هل نحن أمام إعادة ترتيب شاملة للمنطقة، يكون اليمن أحد أبرز عناوينها؟
إن المملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من ثقل سياسي، وقدرة على بناء التحالفات، ورؤية إستراتيجية بعيدة المدى، تبدو اليوم في موقع يؤهلها لأن تكون أحد أهم صناع المرحلة المقبلة، سواء عبر دعم مسارات التسوية السياسية، أو من خلال الإسهام في تهيئة الظروف التي تمنع تحول اليمن إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.
وإذا كانت السنوات الماضية قد كانت سنوات استنزاف، فإن السنوات القادمة قد تكون سنوات إعادة البناء.
وعندما تتحرك الدول الكبرى في المنطقة وفق رؤى إستراتيجية طويلة المدى، فإن الأحداث لا تُقاس بالأيام، بل بالاتجاه الذي تسير إليه.
واليوم… يبدو أن الاتجاه نفسه بدأ يتغير.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
16 يوليو 2026
