خطان لا يلتقيان… الدولة والثورة

خطان لا يلتقيان… الدولة والثورة
لم تكن كلمات سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مقابلته مع الإعلامي داوود الشريان عام 2017 مجرد قراءة لمرحلة سياسية، بل كانت تشخيصًا مبكرًا لطبيعة الصراع الذي تعيشه المنطقة. وبعد مرور سنوات، أثبتت الأحداث أن ما بدا للبعض يومها تشددًا سياسيًا، كان في الحقيقة قراءةً استراتيجية سبقت الواقع.
القضية ليست خلافًا بين السعودية وإيران يمكن حله على طاولة المفاوضات، بل هي مواجهة بين فلسفتين في الحكم.
فالمملكة العربية السعودية قامت على بناء الدولة، بينما قام النظام الإيراني على فكرة الثورة.
وهنا يكمن الفرق.
الدولة تبحث عن الاستقرار لأنه أساس التنمية، أما الثورة فتعيش على استمرار الصراع لأنها تفقد مبرر وجودها إذا استقر محيطها.
لهذا لم تكن المملكة يومًا مشروعًا لتصدير نظامها السياسي أو مذهبها إلى الآخرين، ولم تؤسس ميليشيات خارج حدودها، ولم تجعل من العواصم العربية ساحات نفوذ تديرها بالوكالة. بل بنت مشروعها على الإنسان، والاقتصاد، والتنمية، والاعتدال، والشراكات الدولية.
في المقابل، لم يُقدِّم النظام الإيراني منذ عام 1979 نموذجًا تنمويًا ينافس به العالم، بل قدّم نموذجًا آخر يقوم على تصدير الثورة، وتكوين الجماعات المسلحة، وربط ولائها بطهران قبل أوطانها.
ومن يتأمل خارطة المنطقة يكتشف حقيقة يصعب إنكارها:
حيث تمدد المشروع الإيراني، ضعفت الدولة.
وحيث ضعفت الدولة، ازدهرت الميليشيات.
من لبنان إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، يتكرر المشهد نفسه؛ دولة تتراجع، وجماعة تتقدم، وسيادة تتآكل، واقتصاد ينهار، ومجتمع يدفع الثمن.
هذه ليست مصادفة، بل نتيجة طبيعية لمشروع لا يستطيع أن يتمدد إلا في فراغ الدولة.
ولهذا كان سمو ولي العهد دقيقًا عندما أوضح أن المشكلة ليست مع رئيس إيراني متشدد أو آخر يوصف بالمعتدل، لأن الوجوه تتغير، أما المشروع فلا يتغير.
ففي كل مرة يظهر رئيس بلهجة أكثر هدوءًا، يظن العالم أن إيران تغيّرت، ثم لا يلبث أن يكتشف أن التغيير كان في الخطاب لا في العقيدة، وأن التوسع استمر ولكن بأدوات مختلفة.
إنها سياسة شراء الوقت، لا تغيير الاتجاه.
في المقابل، اختارت المملكة طريقًا مختلفًا تمامًا.
بينما كانت المنطقة تغرق في الحروب، كانت السعودية تطلق رؤية 2030.
وبينما كانت الميليشيات تتوسع، كانت المملكة تبني المدن الذكية، وتستثمر في الذكاء الاصطناعي، وتعيد هيكلة اقتصادها، وتجذب الاستثمارات العالمية، وتؤسس لمستقبل يتجاوز النفط.
إنه الفارق بين من يبني المستقبل، ومن يعيش أسير الماضي.
ولهذا فإن الحكمة السعودية لا تعني السذاجة السياسية.
فالدولة التي تمد يدها للسلام لا تتخلى عن حقها في الدفاع عن أمنها، ولا تسمح بأن يتحول الحوار إلى وسيلة تمنح خصمها الوقت ليعيد ترتيب أدواته.
السلام خيار استراتيجي، لكنه لا يقوم على حسن النيات وحده، بل على الردع، وتوازن القوة، ووضوح الخطوط الحمراء.
واليوم، وبعد كل ما شهدته المنطقة من تهديد للملاحة الدولية، واستهداف للطاقة، وتصاعد لنفوذ الجماعات المسلحة، تبدو كلمات ولي العهد أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
لقد أثبت الواقع أن المشكلة لم تكن يومًا في اختلاف سياسي عابر، بل في وجود مشروع يرى أن نفوذه يبدأ كلما ضعفت الدول.
ولذلك، فإن المملكة لا تواجه إيران لأنها دولة مجاورة، بل لأنها تدافع عن فكرة الدولة نفسها؛ الدولة التي تحتكر السلاح، وتحترم السيادة، وتبني الإنسان، وتجعل التنمية طريقًا إلى القوة.
إن السعودية لا تبحث عن حرب، ولا تتمنى الفوضى لإيران، بل تتمنى أن تتحول إيران إلى دولة طبيعية تعيش لشعبها لا لمشروعها.
فاليوم الذي تصبح فيه مصلحة المواطن الإيراني مقدمة على تصدير الثورة، ويتقدم بناء الداخل على التدخل في الخارج، سيكون يومًا يمكن فيه للحوار أن ينتج سلامًا حقيقيًا.
أما قبل ذلك…
فستظل السعودية تمثل مشروع الدولة، وسيظل النظام الإيراني يمثل مشروع الثورة.
وهما… خطان لا يلتقيان.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
11 يوليو 2026
