حضرموت ليست غنيمة…

حضرموت ليست غنيمة…
فإلى متى ينام أبناؤها على حافة الخطر؟
حضرموت اليوم ليست مجرد أرض واسعة على الخريطة، ولا مخزون نفط، ولا موانئ، ولا موقعًا استراتيجيًا يفتح شهية الطامعين. حضرموت تاريخ، وهوية، وإنسان، وامتداد حضاري عريق. لكن المؤلم أن كثيرًا ممن يمدون أعينهم إليها لا يرون من كل ذلك إلا ما يمكن نهبه أو توظيفه أو السيطرة عليه.
من يطمع في حضرموت لا يسأل عن مدارسها، ولا عن شبابها، ولا عن فقر قراها، ولا عن حق أبنائها في القرار والسيادة والعيش الكريم. يسأل فقط: كم تنتج؟ أين موانئها؟ من يسيطر على أرضها؟ وكيف يمكن تحويل ثروتها إلى ورقة نفوذ؟
وهنا تكمن المأساة: أن تتحول الأرض إلى مطمع، والإنسان إلى رقم هامشي، والصوت الحضرمي إلى تفصيل مؤجل.
إن الخطر الحقيقي لا يبدأ حين يطمع الآخرون في حضرموت، فهذا أمر معروف في كل أرض غنية وموقع حساس. الخطر يبدأ حين لا يدرك أهل الأرض قيمة ما يملكون، وحين يتفرقون بين ولاءات صغيرة، وحسابات ضيقة، وشعارات مستهلكة، بينما غيرهم يرسم خرائط المستقبل فوق أرضهم.
حضرموت لا تُستهدف لأنها ضعيفة، بل لأنها غنية. ولا تُراقب لأنها هامشية، بل لأنها مفتاح مهم في معادلة المنطقة. لذلك فإن السكوت ليس حيادًا، والتردد ليس حكمة، والانتظار ليس سياسة. من لا يحسم موقعه اليوم، قد يجد نفسه غدًا خارج القرار، وخارج الأرض، وخارج التاريخ.
لقد دفع الحضارم ثمنًا طويلًا من الصبر، والتهميش، واستنزاف الثروة، وتغييب الإرادة. وكل مرحلة كانت تأتي بوعد جديد، ثم تنتهي إلى خيبة جديدة. والنتيجة أن حضرموت بقيت تدفع من أرضها وثروتها ومستقبل أبنائها، بينما القرار يذهب إلى غيرها، والمكاسب تُقطف بعيدًا عنها.
لذلك لم يعد المطلوب خطابًا عاطفيًا فقط، بل وعيًا سياسيًا واضحًا: حضرموت يجب أن تعرف أين مصلحتها، ومع من يكون أمنها، ومن يستطيع حمايتها من الفوضى والأطماع والابتزاز. فالسياسة لا تُدار بالأمنيات، بل بموازين القوة، وبقراءة الواقع كما هو لا كما نتمنى أن يكون.
وعلى الحضارم أن يسألوا أنفسهم بصدق: هل نريد أن نبقى مادة في مشاريع الآخرين؟ هل نقبل أن تُختصر حضرموت في النفط والموقع؟ هل نسمح بأن يبقى الإنسان الحضرمي آخر من يُستشار في مصير أرضه؟
الجواب يجب أن يكون واضحًا: لا.
حضرموت تحتاج إلى عودة وعي قبل أي شيء. تحتاج إلى صف حضرمي يعرف أن الضياع الأكبر ليس في فقدان الثروة فقط، بل في فقدان البوصلة. ومتى ضاعت البوصلة، أصبح كل طامع قادرًا على بيع الوهم باسم المستقبل.
وفي الختام، على الحضارم أن يرفعوا نظرهم فوق الحسابات الصغيرة، وأن يوجهوا بوصلة القرار صوب دار الحزم والعزم؛ فهناك بعد الله موضع الثقل، وهناك من بيده الخيط والمخيط في معادلة الأمن والاستقرار والقوة. كفى ضياعًا أكثر مما ضاع، وكفى انتظارًا لمن لا يرى في حضرموت إلا الغنيمة.
ارجعوا إلى صوابكم، واجمعوا كلمتكم، وضعوا حضرموت حيث يليق بها: آمنة، عزيزة، واضحة المصير، لا تابعة للطامعين، ولا رهينة للمترددين.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
29 يونيو 2026


