كُتاب الرأي

كرة القدم لا تصنع الأحقاد، لكنها تكشفها

كرة القدم لا تصنع الأحقاد، لكنها تكشفها

ليست المشكلة في خسارة مباراة، فالهزائم الرياضية جزء طبيعي من عالم كرة القدم، والمنتخبات الكبيرة تخسر كما تفوز. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ما كشفته تلك المباراة من حقائق مؤلمة كانت تختبئ خلف شعارات الأخوة والجوار والمصير المشترك.

ما شاهدناه من احتفالات صاخبة بهزيمة المنتخب السعودي في بعض المناطق الحضرميه لم يكن فرحًا رياضيًا عفويًا، بل كان انعكاسًا لحالة من الاحتقان والكراهية جرى بناؤها وتغذيتها لسنوات طويلة. فحين تتحول هزيمة منتخب إلى مناسبة للشماتة، فإننا لا نكون أمام منافسة كروية، بل أمام أزمة وعي، وأمام مشروع متكامل لتوظيف الرياضة في خدمة الأجندات السياسية.

وما كشفته هذه المباراة هو نجاح بعض القوى الهاربة من مسؤولياتها، والفاشلة في إدارة شؤون الناس، في تحويل معاناة الشعوب إلى وقود للكراهية، وصناعة عدو خارجي تُعلق عليه كل الإخفاقات والأزمات.

في حضرموت تحديدًا، يدرك الجميع حجم المعاناة التي يعيشها المواطن البسيط. انهيار الخدمات، تراجع الاقتصاد، تآكل فرص الحياة الكريمة، وتزايد الشعور بالتهميش والإحباط. لكن السؤال الأهم: من المسؤول الحقيقي عن هذه المعاناة؟

هل هي السعودية التي مدت يدها لحضرموت في أحلك الظروف، وقدمت الدعم السياسي والعسكري والإنساني، وأسهمت في تحريرها من فم الذئاب المفترسة؟

أم هي القوى التي تتاجر بمعاناة الناس، وتستثمر في استمرار الأزمات، وتعيش على تأجيج الغضب وتوجيهه نحو الطرف الخطأ؟

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن السعودية وقفت إلى جانب حضرموت حين تخلى عنها الكثيرون، وساهمت في حمايتها من السقوط في مستنقع الفوضى. وهذا موقف يُشكر ويُحمد لها، وسيبقى راسخًا في ذاكرة المنصفين.

لكن الحقيقة الأخرى، والتي لا تقل أهمية، هي أن حضرموت بعد أن تحررت من فم الذئاب، تُركت جريحة تنهشها الكلاب الضالة والمشردة، تعبث بثرواتها، وتستنزف مقدراتها، وتغذي اليأس في نفوس أبنائها.

وهنا تكمن المأساة.

فالمواطن الحضرمي المطحون بين أزمات المعيشة وانهيار الخدمات، أصبح فريسة سهلة لحملات التحريض والتضليل، وأصبح من السهل توجيه غضبه نحو السعودية، لا لأنها سبب معاناته، بل لأنها الطرف الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المشهد.

إن أخطر ما يحدث اليوم ليس خسارة مباراة، بل خسارة الوعي.

فالقوى التي فشلت في بناء المدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء، نجحت في بناء خطاب كراهية يستهدف العلاقة التاريخية بين حضرموت والسعودية.

والقوى التي عجزت عن حماية المواطن، أتقنت استغلال آلامه لتصفية حساباتها السياسية.

إن الرياضة يجب أن تبقى مساحة للتنافس الشريف، لا منصة لبث الأحقاد، ولا أداة لتأليب الشعوب على بعضها البعض.

كما أن على السعودية، بوصفها الشقيق الأكبر والداعم الأبرز، أن تدرك أن تحرير الأرض وحده لا يكفي، فالمعركة الحقيقية تبدأ بعد التحرير، معركة بناء الإنسان، وترميم الثقة، وتجفيف منابع الفقر والإحباط التي تتغذى عليها مشاريع الفتنة.

فالأرض التي تُترك جريحة، ستجد من يزرع فيها الكراهية.

والشعوب التي تُثقلها المعاناة، ستجد من يوجه غضبها نحو الوجهة الخاطئة.

ويبقى السؤال الأهم:

هل خسرنا مباراة كرة قدم فقط، أم أننا سمحنا للآخرين بأن يعبثوا بقلوب الأشقاء حتى أصبحت الهزيمة الرياضية مناسبة للطعن في الظهر؟

إن الخناجر لا تأتي دائمًا من الخصوم، بل قد تأتي من أولئك الذين أتقنوا استغلال الألم، وزرعوا الفتنة، وحولوا معاناة الناس إلى وقود لمشاريعهم الخاصة.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
22 يونيو 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.