حضارم في ذاكرة الوطن السعودي

حضارم في ذاكرة الوطن السعودي
الشيخ أحمد سعيد بقشان.. حين كان للحضارم أبٌ في السعودية
ليس كل من يحقق النجاح يصبح رمزاً، وليس كل من يملك المال يصبح ذا أثر في حياة الناس. فهناك رجال تتجاوز قيمتهم حدود التجارة والأعمال، ليصبحوا جزءاً من الذاكرة الجماعية للمجتمع، وأحد أولئك الرجال الذين خلدتهم المواقف قبل الأموال هو الشيخ أحمد سعيد بقشان رحمه الله.
ففي زمن كان آلاف الحضارم يشدون الرحال إلى المملكة العربية السعودية بحثاً عن فرصة حياة كريمة ومستقبل أفضل، كان هناك رجل يقف خلف الكثير من قصص النجاح بصمت، يمد يد العون للمحتاج، ويحتضن القادم الجديد، ويساعد المتعثر، ويقف بجانب أبناء جلدته دون تمييز أو انتظار مقابل.
ولهذا لم يكن غريباً أن يطلق عليه كثير من الحضارم لقب “الأب الروحي للحضارم في السعودية”.
لم يكن هذا اللقب منصباً رسمياً، ولا لقباً وراثياً، بل كان مكانة صنعها بنفسه عبر عقود طويلة من العطاء والاحتواء والعمل الإنساني النبيل.
لقد أدرك الشيخ أحمد سعيد بقشان أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملكه، بل بما يقدمه للآخرين.
ففتح أبوابه للحضارم، واستقبلهم كما يستقبل الأب أبناءه، وساهم في حل مشكلاتهم، وسعى لتوفير فرص العمل لهم، ووقف إلى جانب المرضى والطلاب وأصحاب الظروف الصعبة، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بالأمان والثقة والوفاء في ذاكرة أجيال متعاقبة.
وكان كثير من الحضارم يرون فيه السند بعد الله، فإذا ضاقت بهم السبل عرفوا أن هناك رجلاً لن يتأخر عن مساعدتهم أو الوقوف معهم.
ومن هنا جاءت محبة الناس له، فالمحبة الحقيقية لا تُشترى بالمال، وإنما تُكتسب بالمواقف.
وفي الوقت الذي كانت المملكة العربية السعودية تخطو خطواتها الكبرى نحو البناء والتنمية، كان الشيخ أحمد سعيد بقشان نموذجاً للحضرمي الذي اندمج في وطنه السعودي بكل وفاء وإخلاص، وساهم في نهضته الاقتصادية والاجتماعية، مؤمناً بأن النجاح الشخصي لا يكتمل إلا بالمساهمة في خدمة المجتمع والوطن.
لقد مثل جيلاً كاملاً من الحضارم الذين حملوا معهم قيم الأمانة والاجتهاد والتواضع، فكانوا جزءاً من قصة النجاح السعودية الحديثة، وكان الشيخ أحمد سعيد بقشان أحد أبرز رموز هذا الجيل وأكثرهم حضوراً وتأثيراً.
ولعل أعظم ما يميز سيرته أنه لم يترك خلفه مجرد شركات أو استثمارات أو أرقام مالية، بل ترك إرثاً إنسانياً لا يزال حياً حتى اليوم.
ترك رجالاً ساعدهم في بداياتهم.
وترك أسرًا وقف معها في أوقاتها الصعبة.
وترك طلاباً أكملوا تعليمهم بفضل دعمه.
وترك جيلاً كاملاً يتحدث عن مواقفه كما يتحدث الأبناء عن آبائهم.
ولهذا بقي اسمه حاضراً رغم مرور السنوات، لأن الناس لا تتذكر حجم الثروة التي امتلكها الإنسان بقدر ما تتذكر حجم الخير الذي قدمه.
إن الحديث عن الشيخ أحمد سعيد بقشان ليس حديثاً عن رجل أعمال ناجح فحسب، بل عن مدرسة في الإنسانية والوفاء والمسؤولية الاجتماعية.
إنه حديث عن رجل اختار أن يجعل من نجاحه جسراً يعبر عليه الآخرون إلى النجاح.
وحديث عن إنسان آمن بأن أعظم استثمار يمكن أن يتركه المرء بعد رحيله هو الأثر الطيب في قلوب الناس.
رحم الله الشيخ أحمد سعيد بقشان، فقد كان للحضارم في المملكة أباً قبل أن يكون شيخاً، وكان سنداً قبل أن يكون تاجراً، وكان مثالاً نادراً لرجل جمع بين أصالة حضرموت ووفاء السعودية.
ولهذا سيبقى اسمه حاضراً في ذاكرة الوطن السعودي، كما سيبقى محفوراً في قلوب الحضارم جيلاً بعد جيل.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
14 يونيو 2026م
