كُتاب الرأي

بعد السماء… الأرض!

بعد السماء… الأرض!

ما توقعناه بالأمس تحقق… والمرحلة القادمة قد تكون أخطر

منذ بداية التصعيد الأمريكي الإيراني، لم أتعامل معه باعتباره مجموعة من الأحداث المنفصلة، أو مجرد ضربات وردود وتهديدات متبادلة، بل قرأته كمسار واحد تتغير أدواته بينما يبقى جوهر الصراع ثابتًا.

عندما كتبت «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» في 25 مايو 2026، قلت إن المشكلة لن تكون في إعلان الاتفاقات أو التهدئة، بل في التفاصيل التي تدير بها إيران المفاوضات وتشتري من خلالها الوقت.

ثم كتبت «حوار الطرشان» محذرًا من أننا سندور في الحلقة ذاتها:

تفاوض… تهديد… تصعيد… تهدئة… ثم عودة إلى نقطة البداية.

وفي «إيران بعد الحرب»، أكدت أن الضربات مهما كانت قاسية لن تعني بالضرورة ولادة إيران مختلفة؛ فالنظام الإيراني يجيد التراجع التكتيكي عندما يكون ذلك ضروريًا للحفاظ على مشروعه الاستراتيجي.

وحذرت كذلك من أن مضيق هرمز سيظل إحدى أخطر أوراق الضغط الإيرانية، وأن طهران تستطيع توسيع المواجهة عبر حلفائها وأذرعها بدل حصرها داخل حدودها.

وما نشاهده اليوم يعيدنا إلى جوهر تلك القراءات.

لكنني أضع اليوم توقعًا جديدًا أراه أخطر من سابقاته:

أتوقع أن تكون المرحلة القادمة هي نزول قوات أمريكية على الأرض.

ولا أقصد بالضرورة غزوًا شاملًا لإيران على طريقة العراق عام 2003، فهذا السيناريو بالغ التكلفة ولا أراه الخيار الأول لواشنطن.

ما أتوقعه هو تدخل بري محدود يبدأ بقوات خاصة ووحدات ذات مهام محددة داخل المسرح الإيراني، وقد يشمل تأمين أو تدمير منشآت استراتيجية، أو السيطرة المؤقتة على مواقع حساسة، أو تنفيذ عمليات لا تستطيع القوة الجوية وحدها إنجازها.

لماذا الأرض؟

لأن القوة الجوية، مهما بلغت دقتها، تستطيع تدمير الأهداف لكنها لا تستطيع السيطرة عليها.

الطائرة تستطيع قصف منشأة، لكنها لا تستطيع تفتيشها.

وتستطيع تدمير منصة صواريخ، لكنها لا تمنع إعادة نشر أخرى.

وتستطيع ضرب مركز قيادة، لكنها لا تستطيع السيطرة على الأرض أو تأمين المواقع الحساسة.

وهنا ستواجه واشنطن السؤال الأصعب:

إذا لم يحقق القصف النتيجة السياسية المطلوبة، فما الخطوة التالية؟

في تقديري، أمام الولايات المتحدة ثلاثة مسارات: اتفاق سياسي حقيقي، أو استمرار حرب الاستنزاف الجوية والبحرية، أو الانتقال تدريجيًا إلى العمل البري المحدود.

وأرى أن احتمال الخيار الثالث يرتفع كلما فشل الخياران الأولان.

لكن المشكلة أن النزول إلى الأرض أسهل من الخروج منها.

قد تبدأ المهمة بعشرات الجنود، ثم تحتاج إلى مئات لحمايتهم. وقد تبدأ للسيطرة على موقع واحد، ثم تظهر الحاجة إلى تأمين موقع آخر.

وهكذا قد تتحول العملية المحدودة تدريجيًا إلى شيء أكبر مما كان مخططًا له.

السعودية… القوة التي لا تريدها حربًا مفتوحة

وسط هذا التصعيد، لا يمكن قراءة المشهد الأمريكي الإيراني من دون التوقف أمام الدور السعودي.

فالمملكة ليست دولة هامشية تراقب الحرب من بعيد؛ إنها في قلب معادلة الخليج والطاقة والممرات البحرية، وأي انفلات شامل للصراع ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها واقتصادها والمنطقة بأكملها.

لكن أهمية الدور السعودي، في تقديري، تكمن في أن الرياض لا تحتاج إلى أن تكون طرفًا مباشرًا في الحرب لكي تكون لاعبًا رئيسيًا في تحديد مسارها.

السعودية اليوم تملك ما هو أهم من الدخول في الحرب: القدرة على التأثير في البيئة السياسية والاستراتيجية المحيطة بها.

مصلحة المملكة ليست في انتصار طرف على حساب إشعال المنطقة، وإنما في حماية أمنها الوطني، ومنع إيران من تهديد أمن الخليج، وفي الوقت نفسه تجنيب المنطقة حربًا مفتوحة لا يعرف أحد أين تنتهي.

وهنا تظهر أهمية السياسة السعودية التي بنت خلال السنوات الأخيرة شبكة علاقات أكثر تنوعًا واستقلالية: شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وقنوات مع إيران، وعلاقات متقدمة مع الصين، وثقل عربي وإسلامي واقتصادي يجعل الرياض طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية قادمة.

وإذا انتقلت الولايات المتحدة فعلًا إلى مرحلة العمليات البرية داخل إيران، فإن الدور السعودي سيصبح أكثر حساسية.

فالمملكة ستكون أمام معادلة دقيقة:

حماية أمنها الوطني ومنشآتها ومياهها ومجالها الاستراتيجي، ومنع استخدام الفوضى الإيرانية لتهديدها، مع عدم السماح في الوقت نفسه بأن تتحول السعودية إلى ساحة لحرب الآخرين.

وأرى أن الرياض ستكون مؤهلة للعب دور أكبر في اللحظة التي يكتشف فيها الطرفان أن القوة العسكرية وصلت إلى حدودها؛ لأن الحروب في النهاية لا تنتهي بالصواريخ وحدها، بل بتسوية سياسية تعيد رسم التوازنات.

وهنا قد تكون المفارقة الكبرى:

واشنطن تمتلك القوة العسكرية الأكبر، وطهران تمتلك أدوات التعطيل والتصعيد، لكن السعودية قد تمتلك مفتاح التوازن الذي تحتاج إليه المنطقة للخروج من الحرب.

لقد تغيرت الحرب… لكن المشكلة لم تتغير

من يقرأ مقالاتي السابقة كسلسلة واحدة سيجد أن الخط الذي حذرت منه كان واضحًا.

قلت إن التفاصيل ستفشل الاتفاقات الهشة.

وقلت إن الحوار سيعود إلى نقطة البداية.

وقلت إن إيران بعد الضربات لن تكون بالضرورة إيران مختلفة.

وحذرت من هرمز واتساع رقعة المواجهة.

واليوم أضع أمام القارئ التوقع التالي:

الحرب لم تصل إلى نهايتها… بل قد تكون على أبواب أخطر مراحلها.

إذا وصلت واشنطن إلى قناعة بأن القصف وحده لا يستطيع فرض النتيجة التي تريدها، فإن الانتقال من السماء إلى الأرض سيصبح خيارًا مطروحًا بقوة.

وقد لا نرى جيوشًا أمريكية ضخمة تعبر الحدود، وإنما قوات خاصة وعمليات محدودة في البداية.

لكن أول جندي أمريكي يدخل الأراضي الإيرانية في مهمة قتالية سيغير طبيعة الحرب بأكملها.

وهنا أسجل توقعي اليوم، كما سجلت توقعاتي السابقة قبل أن تكشف الأحداث مسارها:

المرحلة القادمة، في تقديري، ستكون أقرب إلى الأرض… وأتوقع أن نشاهد قوات أمريكية تنفذ عمليات برية داخل المسرح الإيراني.

وأضيف إلى ذلك توقعًا آخر:

كلما اقتربت أمريكا من الأرض الإيرانية، ازدادت أهمية الدور السعودي؛ ليس للمشاركة في الحرب، بل لمنع الحرب من إعادة تشكيل المنطقة على حساب أمن المملكة واستقرارها ومصالحها.

فالسؤال القادم لن يكون فقط:

ماذا ستفعل أمريكا في إيران؟

بل أيضًا:

من سيصنع التوازن في اليوم التالي للحرب؟

وهنا أرى أن السعودية يجب أن تكون حاضرة بقوة في صناعة ما بعد الحرب، لا أن تُستدرج إلى داخلها.

لقد انتقلت المواجهة من التهديد إلى الصواريخ، ومن الوكلاء إلى المواجهة المباشرة، وقد تكون خطوتها التالية الانتقال من السماء إلى الأرض.

وعندما يحدث ذلك، إن حدث، فلن يكون السؤال فقط من انتصر في الحرب…

بل:

من سيكون قادرًا على صناعة السلام الذي يليها؟

وأرى أن المملكة العربية السعودية ستكون واحدة من أهم القوى القادرة على الإجابة عن هذا السؤال.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
26 يوليو 2026م

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.