كُتاب الرأي

اليمن .. من يعطّل الحسم؟

اليمن .. من يعطّل الحسم؟

اثنا عشر عامًا من التفاوض… والحوثي يفاوض بيدٍ ويُشعل الجبهات بالأخرى

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم

8 سبتمبر 2026م

هناك لحظة في كل حرب يصبح فيها تكرار الكلام عن «السلام» نوعًا من الهروب من الحقيقة.

واليمن وصل إلى هذه اللحظة.

اثنا عشر عامًا تقريبًا من الحرب والمبادرات والوسطاء والمبعوثين والجولات والمشاورات والهدن والبيانات. وفي كل مرة يُقال لليمنيين: انتظروا، هناك فرصة جديدة للسلام.

ولكن ماذا كانت النتيجة؟

الحوثي لم يختفِ.

السلاح لم يُسلَّم.

الدولة لم تستعد سيادتها.

والجبهات التي قيل إنها هدأت تستطيع أن تشتعل من جديد في أية لحظة.

بل إن المبعوث الأممي هانس غروندبرغ نفسه يحذر اليوم، 7 سبتمبر 2026، من أن هجمات الحوثيين الأخيرة على عدة جبهات أدت إلى تصاعد الاشتباكات وأصبحت تنذر باتساع نطاق النزاع.

إذن يجب أن نسأل السؤال الذي يخشى كثيرون طرحه:

هل فشلت الحرب في اليمن… أم فشل القرار السياسي في حسمها؟

من «استعادة الشرعية» إلى إدارة الأزمة

عندما بدأت الحرب كان عنوانها واضحًا: استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.

لكن مع مرور السنوات تغيرت اللغة.

اختفى تدريجيًا خطاب استعادة الدولة، وظهر بدلًا منه قاموس طويل من المصطلحات: خفض التصعيد، بناء الثقة، خارطة الطريق، إجراءات إنسانية، ترتيبات اقتصادية، لجنة تنسيق عسكري، مفاوضات، ووقف إطلاق النار.

كل هذه الأدوات يمكن أن تكون مفيدة إذا كانت تقود إلى حل.

أما إذا أصبحت غاية في ذاتها، فإنها تتحول من أدوات لإنهاء الحرب إلى أدوات لإدارتها.

وهنا تكمن المعضلة اليمنية.

حتى خلال 2026 استمرت الاجتماعات الأممية الخاصة بخفض التصعيد والتخطيط لوقف إطلاق النار والأمن البحري، بينما بقيت التسوية السياسية النهائية بعيدة المنال.

الحوثي فهم اللعبة مبكرًا

المشكلة الأكبر أن الحوثي تعلم شيئًا بالغ الخطورة:

أن الزمن يعمل لمصلحته.

كل سنة تمر وهو يحتفظ بالسلاح والأرض ومؤسسات الأمر الواقع تمنحه مزيدًا من القدرة على ترسيخ نفسه.

وهكذا انقلبت المعادلة.

بدل أن يكون السؤال:

متى ينتهي الانقلاب؟

أصبح السؤال:

كيف نُدخل الحوثي في التسوية؟

وهذا فارق استراتيجي هائل.

لأن أي حركة مسلحة تستطيع أن تفرض نفسها بالقوة ثم تحصل بعد سنوات على الاعتراف السياسي بما فرضته بالسلاح، فإن الرسالة التي تصل إلى المنطقة ليست رسالة سلام.

إنها رسالة تقول:

احمل السلاح أولًا… ثم تفاوض لاحقًا.

وهذه وصفة لتفجير الدول، لا لإنقاذها.

المبعوث الأممي ليس أصل المشكلة

ومن الإنصاف القول إن تحميل غروندبرغ وحده مسؤولية الكارثة تبسيط شديد.

المبعوث لا يمتلك جيشًا ولا يستطيع فرض تسوية على الأطراف.

المشكلة أعمق.

المشكلة في منظومة دولية تعاملت طويلًا مع اليمن بمنطق احتواء الأزمة أكثر من معالجة جذورها.

حتى الأمم المتحدة تقول إن اليمن بات معرضًا للعودة إلى نزاع واسع النطاق، وإن التصعيد العسكري وصل إلى مأرب وحضرموت والمخا ومناطق أخرى.

إذن بعد كل هذه السنوات:

ماذا أنتجت إدارة الأزمة؟

إذا كانت الحرب قابلة للعودة بهذه السرعة، فهذا يعني أن أسباب الحرب لم تُحل أصلًا.

والخطأ الآخر اسمه «الشرعية»

لكن تحميل الحوثي والمجتمع الدولي المسؤولية وحدهما لا يكفي.

هناك سؤال أشد إحراجًا:

ماذا فعل المعسكر الذي كان يفترض أن يستعيد الدولة؟

تعددت القوى.

تعددت الولاءات.

تعددت المشاريع.

وتحولت المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثي في أحيان كثيرة إلى ساحات تنافس سياسي وعسكري واقتصادي.

وهنا حدث أخطر تحول في الحرب اليمنية:

الحوثي كان مشروعًا واحدًا في مواجهة معسكر يحمل مشاريع متعددة.

ومن يعرف الحروب يعرف أن وحدة الهدف قد تعوض نقص الإمكانات، بينما لا تستطيع كثرة الإمكانات تعويض غياب الهدف.

ولهذا فإن إصلاح معسكر الدولة ليس مسألة إدارية.

إنه شرط للحسم.

وحضرموت ليست جائزة ترضية لأحد

وهنا يجب أن نقول شيئًا بوضوح:

حضرموت ليست مخزونًا جغرافيًا يُستخدم لترقيع أي تسوية يمنية قادمة.

ليست ثمنًا لإرضاء الحوثي.

وليست جائزة لطرف آخر.

وليست أرضًا مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ بعد انتهاء الحرب.

إذا كانت هناك تسوية سياسية جديدة لليمن، فإن مستقبل حضرموت يجب أن يقوم على إرادة أهلها ومصالحهم وأمنهم وخصوصيتهم السياسية والتاريخية، لا على معادلات تقاسم النفوذ بين صنعاء وعدن أو بين القوى المتصارعة.

وأي تسوية تتجاهل ذلك قد توقف حربًا لتزرع بذور حرب أخرى.

السلام لا يعني مكافأة من أشعل الحرب

نعم، اليمن يحتاج السلام.

لكن السلام شيء، والاستسلام للأمر الواقع شيء آخر.

المصالحة ممكنة.

والتفاوض ضروري.

والحل السياسي قد يكون في النهاية هو المخرج.

لكن أي سلام مستدام يحتاج قاعدة بسيطة:

لا يجوز أن يصبح السلاح غير الشرعي الطريق الأسرع للحصول على السلطة.

وإلا فإننا لن ننهي الحرب اليمنية.

سنؤجل الحرب القادمة فقط.

آن أوان تغيير السؤال

بعد اثني عشر عامًا، ربما لم يعد السؤال الصحيح:

كيف نعيد الحوثي إلى طاولة المفاوضات؟

بل:

ما شكل الدولة التي تمنع أي جماعة مسلحة — حوثية أو غير حوثية — من اختطافها مرة أخرى؟

ومن هنا يبدأ الحل الحقيقي.

إعادة بناء مفهوم الدولة.

تحديد مستقبل السلاح.

إعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثي.

وضع ضمانات إقليمية ودولية حقيقية.

وحسم شكل الدولة وعلاقة أقاليمها ومناطقها ببعضها، وفي مقدمتها حضرموت.

ثم وضع جدول زمني واضح لا عملية سياسية مفتوحة إلى الأبد.

لأن المفاوضات التي لا تملك نهاية تتحول هي نفسها إلى جزء من المشكلة.

اليمن لا يحتاج هدنةً بين حربين

هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يسمعها العالم:

اليمن لا يحتاج مبعوثًا يدير المسافة بين حرب وحرب.

ولا يحتاج بيانات قلق بعد كل جولة قتال.

ولا يحتاج مفاوضات تمنح الأطراف الوقت لإعادة التموضع والتسلح.

اليمن يحتاج مشروعًا سياسيًا ينهي أصل الصراع ويمنع احتكار القوة خارج الدولة.

وإذا كان الحوثي يريد أن يصبح طرفًا سياسيًا، فليدخل السياسة كطرف سياسي.

أما الجمع بين البندقية والسلطة والتفاوض، ثم مطالبة الآخرين بالتعايش مع النتيجة، فليس سلامًا.

إنه تثبيت للحرب في قلب الدولة.

وبعد اثني عشر عامًا من الدماء، آن للعالم أن يفهم:

الحرب التي يخشى الجميع حسم أسبابها… ستظل تعود إليهم بأسماء جديدة.

والسؤال لم يعد:

متى تنتهي حرب اليمن؟

السؤال الأخطر هو:

هل يريد المجتمع الدولي فعلًا إنهاء الحرب… أم يريد فقط أن تبقى تحت السيطرة؟

كاتب رأي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.