بعد فتح هرمز

بعد فتح هرمز
هل تدخل الجزر في المعادلة؟
أمريكا لا تحتاج إلى احتلال إيران لكي تغيّر ميزان القوة في المضيق.
في المقال السابق طرحت السؤال: إذا كانت الولايات المتحدة جادة في ضمان ألا تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز مرة أخرى، فهل تكفي السيطرة الجوية والبحرية؟
في تقديري، ليس بالضرورة. لأن البحر يمكن مراقبته، والألغام يمكن إزالتها، والصواريخ يمكن تدميرها، لكن تبقى مشكلة واحدة لا تستطيع القوة الجوية إزالتها: الجغرافيا.
وهنا تدخل الجزر في الحساب. لكن يجب أن نفرق بين مجموعتين مختلفتين تماماً.
أولاً: الجزر الإماراتية الثلاث
أبو موسى، طنب الكبرى، طنب الصغرى.
هذه ليست في الحساب السياسي كأي جزر إيرانية أخرى. الإمارات تطالب بسيادتها عليها، وتعتبر الوجود الإيراني فيها احتلالاً، وتطالب منذ عقود باستعادتها أو تسوية النزاع بالطرق السلمية والقانون الدولي.
ولذلك، إذا تحولت هذه الجزر إلى جزء من منظومة عسكرية تهدد الملاحة الدولية، فإن الملف قد يكتسب بعداً جديداً.
وهنا أطرح فرضية، ولا أقول إن قراراً اتخذ بشأنها: ماذا لو أدت الحرب إلى إعادة فتح ملف الجزر الإماراتية ضمن إعادة ترتيب أمن هرمز؟
هذه الفرضية تختلف جذرياً عن احتلال أمريكا أرضاً إيرانية لا نزاع عليها، لأن هناك دولة عربية ذات سيادة تقول أصلاً: هذه أرضنا.
لكن استعادة الجزر بالقوة ليست مسألة بسيطة. أي عمل عسكري بشأنها سيحمل مخاطر تصعيد كبيرة، وسيحتاج إلى حسابات سياسية وقانونية وعسكرية دقيقة.
لذلك لا أقول إن الحرب يجب أن تتحول إلى حرب لاستعادة الجزر، بل أقول إن الواقع الذي صنعته إيران باستخدام جغرافية هرمز كسلاح قد يعيد الملف إلى الطاولة بطريقة لم تكن ممكنة قبل الحرب.
وإذا عادت الجزر يوماً إلى السيادة الإماراتية، فإن موقعها يجعلها قابلة لأن تصبح جزءاً من منظومة دفاع خليجية ودولية لحماية الملاحة، بدلاً من استخدامها في أي منظومة لتهديدها.
أما الخيار الآخر فهو أكثر تعقيداً: ماذا عن الجزر الإيرانية نفسها؟
هنا الوضع القانوني مختلف. السيطرة العسكرية على جزيرة إيرانية لا نزاع على سيادتها ستكون عملاً بالغ الخطورة، وستفتح سؤال السيادة واستخدام القوة، وقد تحول حرب حماية الملاحة إلى حرب على الأراضي الإيرانية.
ولهذا لا أعتقد أن الخيار الأمريكي الأول سيكون احتلال الجزر الإيرانية. الأرجح أن واشنطن ستبدأ بمحاولة تحييدها عسكرياً دون احتلالها: مراقبتها، ومنع استخدامها لتهديد الملاحة، واستهداف القدرات التي تستخدم لزرع الألغام أو مهاجمة السفن.
لكن ماذا لو لم ينجح ذلك؟
إذا أثبتت إيران أنها تستطيع، بعد كل عملية عسكرية، إعادة نشر الصواريخ والمسيّرات والقوارب والألغام على الجزر والساحل، فقد يجد المجتمع الدولي نفسه أمام السؤال الذي يحاول الجميع تجنبه:
هل يمكن ضمان حرية هرمز من دون وجود دائم قريب من النقاط التي تستطيع إغلاقه؟
ومن هنا قد تظهر أفكار كانت مستبعدة: قوة دولية دائمة، مناطق أمنية محددة، مراكز مراقبة، ترتيبات خاصة لبعض المواقع، أو في ظرف استثنائي جداً، وجود دولي على نقاط جغرافية معينة ضمن تسوية سياسية أو غطاء دولي.
لكن يجب أن نكون واضحين: تدويل أمن هرمز أسهل قانونياً وسياسياً من تدويل الجزر الإيرانية نفسها.
لا نحتاج إلى تغيير الخريطة لكي نغيّر ميزان القوة. ربما يكون أكبر خطأ هو الاعتقاد أن حماية هرمز تتطلب رفع علم أمريكي فوق جزيرة إيرانية.
ليس بالضرورة.
في الحروب الحديثة يمكن أن تمتلك الدولة السيادة القانونية على الأرض، لكنها تفقد القدرة العسكرية على استخدامها ضد جيرانها أو الممرات الدولية.
وهذا قد يكون ما تبحث عنه واشنطن: ليس احتلال إيران، بل انتزاع قدرة النظام الإيراني على استخدام الجغرافيا كسلاح.
إيران بنت الجزر والساحل باعتبارهما مصدر قوة. لكن إذا أدى استخدامها العسكري لهما إلى إنشاء نظام أمني دولي دائم حول المضيق، فقد تكون طهران قد حولت أهم أوراقها الجغرافية إلى سبب لتقييد حركتها مستقبلاً.
وهذا هو الخطر الحقيقي على إيران: ليس خسارة جزيرة بالضرورة، بل خسارة حرية استخدام الجزر عسكرياً.
لكن الجزر، على أهميتها، ليست نهاية المسألة.
لأن السؤال الأكبر ليس فقط: من يسيطر على نقاط القوة في هرمز؟ بل: من يملك الشرعية والقدرة السياسية لصياغة نظام أمني جديد للمضيق يحظى بقبول دولي؟
وهنا، في تقديري، تظهر المملكة العربية السعودية باعتبارها الدولة الأكثر تأهيلاً لقيادة المبادرة.
يتبع: لماذا يجب أن تقود السعودية مبادرة دولية لأمن مضيق هرمز؟
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
3 سبتمبر 2026

