كُتاب الرأي

السعودية… تَقرأ مستقبل المنطقة

السعودية… تَقرأ مستقبل المنطقة

هناك دول تبني سياساتها على ما يحدث اليوم، ودول تنتظر اتضاح موازين القوى ثم تختار موقعها، وهناك دول من طراز آخر تحاول أن تقرأ ما بعد الحدث، وأن تبني موقعها في المستقبل قبل أن يصل.

وفي تقديري، فإن فهم النهج السعودي خلال السنوات الأخيرة يبدأ من هذه النقطة تحديدًا.

فما يجري في السياسة السعودية ليس مجرد تنويع للعلاقات الدولية، ولا انتقالًا تكتيكيًا بين واشنطن وبكين وموسكو، ولا استجابة مؤقتة للتحولات والأزمات التي تضرب المنطقة والعالم.

إنه أعمق من ذلك.

إنها محاولة واعية للإجابة عن سؤال استراتيجي كبير:

كيف سيكون شكل الشرق الأوسط والنظام الدولي خلال العقد القادم، وأين يجب أن تكون السعودية عندما تكتمل ملامحهما؟

العالم يتغير… والرياض قرأت الإشارة مبكرًا

النظام الدولي الذي تشكل بعد انتهاء الحرب الباردة لم يعد يعمل بالقواعد نفسها.

الولايات المتحدة لا تزال القوة الدولية الأهم، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد القادر على تحديد اتجاه النظام العالمي.

الصين تتقدم اقتصاديًا وتقنيًا وصناعيًا.

روسيا، رغم أزماتها، أثبتت أنها لا تزال قوة يصعب تجاوزها في الحسابات الدولية.

الهند تصعد بسرعة.

والقوى المتوسطة أصبحت أكثر قدرة على المناورة والدفاع عن مصالحها.

وفي الوقت نفسه، انتقلت المنافسة الدولية من الجيوش والنفط وحدهما إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة وسلاسل الإمداد والممرات البحرية والأمن الغذائي والمائي والطاقة الجديدة.

السعودية قرأت هذه التحولات مبكرًا، لكنها لم تقع في فخ البحث عن «القوة العظمى البديلة».

لم تستبدل واشنطن ببكين.

ولم تجعل التعاون مع موسكو موقفًا ضد الغرب.

ولم تجعل الانفتاح على الشرق انسحابًا من الغرب.

وهنا تكمن براعة النهج.

فالدولة الذكية لا تراهن على مَن سينتصر في صراع القوى الكبرى؛ بل تبني من القوة والخيارات ما يجعلها قادرة على التعامل مع أي نتيجة.

من «مع مَن نقف؟» إلى «أين مصلحتنا؟»

لسنوات طويلة كانت دول المنطقة تجد نفسها أمام سؤال يكاد يكون إلزاميًا:

مع مَن أنت؟

أما التحول السعودي الأهم فهو تجاوز هذا السؤال.

فالعلاقة مع الولايات المتحدة يمكن أن تكون استراتيجية في الدفاع والتكنولوجيا والاستثمار، والعلاقة مع الصين عميقة في الاقتصاد والطاقة والصناعة، والتنسيق مع روسيا ضروري في أسواق الطاقة، والشراكات مع أوروبا وآسيا مهمة في الاستثمار والتجارة والسياسة، بينما يمكن بناء دوائر أمنية ودفاعية إضافية مع قوى إقليمية وإسلامية مؤثرة.

لا تناقض في ذلك إذا كانت البوصلة واحدة:

المصلحة الوطنية السعودية.

وهذا ليس حيادًا بين القوى.

إنه استقلال في القرار وتعدد في الخيارات.

والفرق بين الاثنين كبير.

فالحياد قد يعني الابتعاد عن الصراع، أما الاستقلال الاستراتيجي فيعني القدرة على الدخول في علاقات متعددة دون أن تتحول أي علاقة منها إلى وصاية على القرار الوطني.

السعودية لا تقرأ أزمات المنطقة… بل ما بعدها

وهنا تظهر، في اعتقادي، السمة الأكثر أهمية في السياسة السعودية الجديدة.

الشرق الأوسط يمر بمرحلة إعادة تشكيل كبرى.

سوريا تغيرت.

لبنان يبحث عن استعادة الدولة.

العراق يحاول تثبيت توازنه.

إيران تواجه تحديات داخلية وخارجية عميقة.

اليمن لم يصل بعد إلى معادلته النهائية.

القضية الفلسطينية استعادت مركزيتها الدولية.

والبحر الأحمر تحوّل من ممر تجاري إلى واحدة من أهم ساحات الأمن والجغرافيا السياسية في العالم.

يمكن النظر إلى كل ملف من هذه الملفات باعتباره أزمة منفصلة.

لكن القراءة السعودية تبدو أوسع:

ما شكل المنطقة عندما تنتهي هذه الأزمات أو تتغير طبيعتها؟

وهذا السؤال أهم من الأزمة نفسها.

لأن الحروب تنتهي، والأنظمة تتغير، والتحالفات تتبدل، لكن الجغرافيا تبقى.

ومن ينجح في بناء موقعه داخل الجغرافيا السياسية الجديدة قبل اكتمالها يمتلك أفضلية يصعب تعويضها لاحقًا.

من إدارة التوازن إلى صناعة التوازن

لسنوات طويلة كان مطلوبًا من دول المنطقة أن تتكيف مع التوازنات التي تصنعها القوى الكبرى.

اليوم يبدو أن السعودية تتحرك باتجاه مختلف.

فهي لا تريد فقط معرفة أين يقع التوازن، بل تريد أن يكون وزنها جزءًا من معادلة إنتاجه.

وهذا تحول كبير.

حين تصبح الرياض قادرة على الحديث مع واشنطن وبكين وموسكو في الوقت نفسه، وعلى التواصل مع أوروبا والقوى الآسيوية والإسلامية، وعلى لعب أدوار سياسية واقتصادية ووساطية تتجاوز محيطها المباشر، فإنها لا تعود مجرد طرف في نظام إقليمي.

إنها تتحول تدريجيًا إلى نقطة التقاء للمصالح المتعارضة.

والدولة التي يحتاج إليها المختلفون جميعًا تمتلك نوعًا مختلفًا من القوة.

فالقوة ليست دائمًا في القدرة على مواجهة الخصم.

أحيانًا تكون القوة الأكبر في أن يحتاج الخصم والحليف كلاهما إلى وجودك.

رؤية 2030… الوجه الداخلي للاستراتيجية الخارجية

ومن الخطأ، في رأيي، قراءة السياسة الخارجية السعودية بمعزل عن رؤية 2030.

فهما وجهان لمشروع واحد.

تنويع الاقتصاد ليس قضية مالية فقط؛ إنه توسيع لهامش القرار السياسي.

توطين الصناعة ليس هدفًا اقتصاديًا فقط؛ إنه تقليل للاعتماد الاستراتيجي.

توطين الصناعات الدفاعية ليس مجرد شراء ونقل تقنية؛ إنه بناء جزء من السيادة الوطنية.

والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتعدين والطاقة المتجددة واللوجستيات والموانئ والسياحة والبنية التحتية ليس مجرد بحث عن إيرادات بديلة للنفط.

إنه بناء مكونات القوة السعودية في عالم ما بعد النفط التقليدي.

ومن هنا يصبح مشروع التحول الداخلي مشروعًا جيوسياسيًا أيضًا.

فالسعودية لا تريد فقط اقتصادًا أكبر.

إنها تريد اقتصادًا يجعل العالم أكثر ارتباطًا باستقرارها ونجاحها.

وهذه معادلة مختلفة تمامًا.

الجغرافيا السعودية تتحول من موقع إلى وظيفة

المملكة تقع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

الخليج شرقًا.

البحر الأحمر غربًا.

آسيا في امتدادها.

أفريقيا على الضفة المقابلة.

أوروبا شمالًا عبر شبكة التجارة والطاقة.

إضافة إلى الثقل العربي والإسلامي ومكانة الحرمين الشريفين.

لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي.

القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الجغرافيا من مجرد «موقع» إلى وظيفة استراتيجية.

مركز للطاقة.

ومركز للاستثمار.

ومركز للوجستيات.

ومركز للتقنية.

ومركز للوساطة السياسية.

ومركز لربط الاقتصادات والمصالح.

عندها لا يعود السؤال: أين تقع السعودية على الخريطة؟

بل:

كم طريقًا دوليًا سيمر سياسيًا أو اقتصاديًا أو استراتيجيًا عبر السعودية؟

المشروع السعودي يحتاج إلى إقليم مختلف

وهنا توجد نقطة لا تحظى، في تقديري، بما تستحقه من الاهتمام.

لا يمكن بناء مشروع اقتصادي واستثماري بحجم التحول السعودي وسط إقليم يعيش بصورة دائمة على الحروب والفوضى والانهيارات.

رؤية 2030 تحتاج بطبيعتها إلى بيئة إقليمية أكثر استقرارًا.

ولهذا فإن استقرار العراق مهم.

واستقرار سوريا مهم.

وأمن البحر الأحمر مهم.

وخفض التوتر مع إيران مهم.

واستقرار اليمن مهم.

وحل القضية الفلسطينية مهم.

ليس لأن الرياض تريد إدارة شؤون الآخرين، بل لأن الدولة التي تخطط لعقود قادمة تعرف أن الأمن الوطني لم يعد ينتهي عند الحدود السياسية.

فكلما اتسعت دائرة الاستقرار حول المملكة، اتسعت معها دائرة الاستثمار والتجارة والنفوذ والتنمية.

وهكذا تصبح صناعة الاستقرار الإقليمي امتدادًا طبيعيًا للمشروع الوطني السعودي.

القوة القادمة ليست عسكرية فقط

التحول الآخر الذي يبدو أن الرياض أدركته هو أن مفهوم القوة نفسه يتغير.

الدولة الأقوى مستقبلًا لن تكون بالضرورة الدولة التي تمتلك أكبر جيش فقط.

بل الدولة التي تمتلك:

اقتصادًا مؤثرًا،

وطاقة يحتاج إليها الآخرون،

وتكنولوجيا متقدمة،

وصناديق استثمارية ضخمة،

وصناعات استراتيجية،

وموقعًا جغرافيًا حيويًا،

وشبكة علاقات دولية متنوعة،

وقدرة على التأثير السياسي،

وقوة دفاعية تحمي كل ذلك.

أي أن القوة في القرن الحادي والعشرين تتحول من عنصر منفرد إلى منظومة متكاملة.

والسعودية تبني هذه المنظومة بهدوء.

أخطر ما يمكن أن تمتلكه دولة: البدائل

القوة الحقيقية في العلاقات الدولية ليست أن تقول «لا».

القوة الحقيقية أن تستطيع قولها لأن لديك بدائل.

الدولة التي تعتمد أمنيًا على طرف واحد، واقتصاديًا على طرف واحد، وتقنيًا على طرف واحد، وتسليحيًا على طرف واحد، ستبقى مساحة قرارها محدودة مهما كان حجمها.

أما عندما تتعدد الشراكات ومصادر التقنية والأسواق والاستثمارات والخيارات الدفاعية والسياسية، فإن هامش القرار يتسع تلقائيًا.

وهذا ربما أحد أهم التحولات التي شهدتها السياسة السعودية.

لم يكن الهدف البحث عن بديل للولايات المتحدة.

بل بناء وضع استراتيجي تصبح فيه فكرة «البديل الواحد» نفسها غير ضرورية.

وهنا فرق جوهري.

فالاستقلال ليس قطع العلاقات.

والسيادة ليست الخصومة.

والتوازن ليس الوقوف في المنتصف.

السيادة الحقيقية أن تستطيع الاقتراب من الجميع دون أن تصبح تابعًا لأحد.

ماذا ترى الرياض في 2030 وما بعدها؟

إذا جمعنا أجزاء الصورة، يمكن استشفاف رؤية أوسع.

الشرق الأوسط المقبل سيصبح أقل اعتمادًا على الأيديولوجيا وأكثر اعتمادًا على المصالح.

الاقتصاد سيصبح عنصرًا رئيسيًا في تشكيل التحالفات.

المياه والغذاء والطاقة والتكنولوجيا ستتحول أكثر فأكثر إلى قضايا أمن قومي.

البحر الأحمر والخليج والممرات البحرية ستزداد أهميتها.

الصراع الأميركي-الصيني سيستمر، لكن دول المنطقة لن تكون مضطرة بالضرورة إلى الانضمام الكامل إلى أحد المعسكرين.

والقوى الكبرى ستحتاج إلى دول إقليمية قادرة على إنتاج الاستقرار، وليس فقط طلب الحماية.

وفي قلب هذه الصورة تحاول السعودية بناء موقعها.

ليس باعتبارها «دولة نفطية غنية».

ولا مجرد حليف رئيسي للغرب.

ولا قائد محور مغلق.

بل باعتبارها قوة مركزية مستقلة القرار، متعددة العلاقات، يصعب تجاوزها عند رسم أي معادلة إقليمية كبرى.

السعودية… من قراءة المستقبل إلى حجز الموقع فيه

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

هناك فرق بين أن تتوقع المستقبل وبين أن تستعد له.

وفرق أكبر بين أن تستعد له وبين أن تسهم في صناعته.

السعودية، كما أقرأ نهجها الحالي، تحاول الانتقال إلى المرحلة الثالثة.

لا تنتظر شكل الشرق الأوسط الجديد ثم تبحث عن مقعد فيه.

بل تعمل منذ الآن على حجز موقعها في مركزه.

ولهذا فإن ما نراه من علاقات مع واشنطن وبكين وموسكو، ومن تحركات تجاه آسيا وأوروبا والقوى الإقليمية، ومن استثمارات هائلة في الداخل، لا ينبغي قراءته كملفات منفصلة.

إنها أجزاء من لوحة واحدة.

لوحة لدولة أدركت أن العالم المقبل لن تحكمه قوة واحدة، وأن المنطقة المقبلة لن تشبه المنطقة السابقة، وأن النفط وحده لن يكون كافيًا لصناعة القوة.

فبدأت تبني اقتصاد المستقبل، وتحالفات المستقبل، وصناعات المستقبل، وأدوات الردع المستقبلية، وموقعها في توازنات المستقبل.

ولهذا ربما يكون السؤال الخطأ:

مع أي محور تقف السعودية؟

أما السؤال الصحيح فهو:

أي موقع تريد السعودية أن تحتله عندما تستقر موازين العالم والمنطقة من جديد؟

والإجابة التي تتشكل أمامنا تبدو واضحة:

السعودية لا تريد أن تكون على هامش طاولة يُعاد فوقها رسم الشرق الأوسط.

ولا تريد فقط مقعدًا على تلك الطاولة.

إنها تعمل لكي تصبح أحد الأوزان التي لا تستقيم الطاولة من دونها.

وهنا تكمن فلسفة النهج السعودي الجديد:

أن تقرأ المستقبل قبل وصوله، وأن تبني خياراتك قبل الحاجة إليها، وأن تصنع من استقلال القرار قوة، ومن تعدد العلاقات نفوذًا، ومن الاستقرار الإقليمي امتدادًا لأمنك الوطني، ومن مشروعك الاقتصادي قاعدةً لمكانتك السياسية.

فالدول الكبرى لا تنتظر المستقبل لكي تتكيف معه…

بل تبدأ مبكرًا في صناعة مكانها داخله.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
جدة – المملكة العربية السعودية
11 أغسطس 2026م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.