كُتاب الرأي

ستة عقود من الأخطاء… فهل تتعلم حضرموت؟

ستة عقود من الأخطاء… فهل تتعلم حضرموت؟

منذ عام 1967، تغيّرت الرايات والقيادات والتحالفات، وتبدلت الشعارات والأسماء، لكن شيئًا واحدًا ظل يعيد إنتاج نفسه في الجنوب:

الثورية والانفعالية تسبقان السياسة، والسياسة تسبق الدولة، ثم تأتي النتائج بعد سنوات لتدفع الشعوب ثمنها.

وهنا لا أتحدث من موقع الخصومة مع الجنوب، ولا من موقع الوصاية على أهله، وإنما من قراءة تجربة سياسية امتدت قرابة ستة عقود، وأصبحت اليوم مليئة بالدروس التي ينبغي على حضرموت، تحديدًا، ألا تتجاهلها.

فالجنوب لا تنقصه الأرض.

ولا الثروة.

ولا الرجال.

ولا الشجاعة.

ومع ذلك، بعد كل تلك التضحيات، ما زال السؤال قائمًا:

لماذا لم تتحول كل هذه القوة إلى دولة؟

الإجابة، في تقديري، لا توجد في نقص الشجاعة، وإنما في فائض الانفعال ونقص السياسة.

1967… عندما انتصرت الثورة ولم تولد الدولة

كان عام 1967 نقطة تحول كبرى.

خرج الاستعمار البريطاني، ووصل الثوار إلى السلطة، لكن المشكلة التي ستلاحق الجنوب بعد ذلك بدأت مبكرًا:

كان التفكير في الثورة أكبر من التفكير في الدولة.

فالدولة لا تبنى بمنطق المنتصر والمهزوم، ولا بإلغاء الخصوم، ولا بتصفية الحسابات، ولا باعتبار كل مخالف عدوًا يجب إخراجه من المشهد.

الدولة تحتاج إلى تراكم.

وتحتاج إلى استيعاب.

وتحتاج إلى مؤسسات تستطيع أن تعيش بعد رحيل الرجال.

لكن ما حدث خلال العقود التالية كان سلسلة من الصراعات والإقصاءات والانقسامات، حتى أصبح جزء كبير من الطاقة السياسية يُستهلك داخل البيت نفسه.

وكانت النتيجة أن شعبًا شديد الصلابة أصبح يدفع ثمن صراعات قياداته.

وهنا بدأ الدرس الأول:

الثورة تستطيع إسقاط دولة، لكنها لا تعرف بالضرورة كيف تبني دولة.

1986… عندما أكلت الثورة أبناءها

ثم جاءت أحداث عدن عام 1986 لتكشف بصورة دامية إلى أين يمكن أن يصل الصراع عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى معركة وجود.

لم تكن الكارثة فقط في الدم الذي سال.

الكارثة السياسية الأكبر كانت في استمرار ثقافة الإقصاء بعد انتهاء المواجهة.

كان يمكن فتح باب مصالحة واسعة مع تيار علي ناصر محمد، واستعادة الكفاءات، وإغلاق صفحة الثأر السياسي.

لكن عقلية المنتصر والمهزوم ظلت أقوى من عقلية الدولة.

وهذه إحدى أكثر الأمراض السياسية كلفة:

أن يتحول الخصم السياسي إلى عدو أبدي.

الدول الذكية لا تفعل ذلك.

فالخصم الذي تحاربه اليوم قد تحتاج إليه غدًا، والذي تختلف معه في ملف قد تتفق معه في عشرة ملفات أخرى.

السياسة ليست اختيار الأصدقاء؛ السياسة هي إدارة المصالح والخصوم معًا.

ثم جاءت الوحدة… وكانت الفاتورة أكبر

بعد سنوات قليلة جاءت الوحدة عام 1990.

ومن المفارقات التاريخية أن الصراعات الداخلية التي استنزفت الجنوب كانت من العوامل التي أضعفت قدرته على دخول الوحدة من موقع أكثر قوة وتماسكًا.

وهنا يتكرر القانون نفسه:

عندما تستنزف قوتك في الداخل، تدخل معركتك الخارجية أضعف.

وعندما تحرق رجال السياسة المختلفين معك، تكتشف في اللحظة الحرجة أنك بحاجة إليهم.

وعندما تُضعف مؤسساتك، يصبح الشعار أكبر من قدرتك على حماية مصالحك.

ولهذا فإن الوحدة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها قرارًا اتخذه أشخاص في لحظة تاريخية معينة.

ينبغي أن تُقرأ أيضًا باعتبارها نتيجة لمسار طويل سبقها.

فالكوارث السياسية الكبرى نادرًا ما تبدأ في اليوم الذي تقع فيه.

غالبًا تبدأ قبل ذلك بسنوات، بقرارات صغيرة خاطئة، ثم تتراكم حتى يصبح الرجوع عنها شبه مستحيل.

وبعد كل ذلك… هل تغير العقل السياسي؟

هنا السؤال المؤلم.

بعد 1967.

وبعد 1986.

وبعد الوحدة.

وبعد حرب 1994.

وبعد الحروب والأزمات التي تلتها…

هل تغيرت طريقة التفكير؟

أم تغير اللاعبون وبقيت اللعبة نفسها؟

ما زال هناك ميل إلى تخوين المختلف.

وما زال الخصم السياسي يُعامل كأنه عدو وجودي.

وما زالت العاطفة الجماهيرية تُستخدم أحيانًا بدل الحساب السياسي البارد.

ولهذا أرى أن التشفي اليوم بالشيخ عمرو بن حبريش خطأ سياسي.

يمكن الاختلاف معه.

ويمكن نقد مواقفه.

ويمكن رفض مشروعه.

لكن السياسة لا تعرف التشفي.

السياسة تعرف المصالح.

فلو كانت هناك جسور سياسية أوسع بين القوى الجنوبية وبن حبريش والقوى الحضرمية المختلفة، لربما كان المشهد أكثر توازنًا.

والأمر نفسه ينطبق على أحمد الميسري وصالح الجبواني وغيرهما.

ليس المطلوب الاتفاق معهم.

وليس المطلوب تبرئة أحد من أخطائه.

المطلوب فقط فهم قاعدة بسيطة:

لا تحرق ورقة سياسية قد تحتاج إليها غدًا.

وهذا بالضبط ما لم تتعلمه عقلية 1967 حتى الآن.

الجنوب لا يحتاج رجلًا أشجع

إذا كان هناك شيء لا يحتاج الجنوب إلى إثباته فهو الشجاعة.

لقد أثبت الإنسان الجنوبي شجاعته بما يكفي.

المشكلة ليست في نقص الرجال الشجعان.

المشكلة في نقص مشروع الدولة.

فالدول الحديثة لا تحتاج إلى قائد أسطوري بقدر حاجتها إلى قائد ذكي تحيط به مؤسسة من العقول.

اقتصاديون.

قانونيون.

خبراء طاقة.

متخصصون في الإدارة العامة.

خبراء علاقات دولية.

مخططون استراتيجيون.

مستشارون ماليون.

ودبلوماسيون يعرفون كيف تتحول القوة على الأرض إلى اعتراف ونفوذ ومصالح.

لا يمكن إدارة وطن بعقلية الزعيم وحده.

ولا يمكن إدارة القرن الحادي والعشرين بعقلية الستينيات.

فالعالم لم يعد يحكمه من يصرخ أكثر، بل من يعرف أكثر ويخطط أفضل.

العليمي… عندما انتصر السياسي على الثوري

وهنا تظهر تجربة رشاد العليمي باعتبارها مثالًا يستحق الدراسة، بعيدًا عن الحب أو الكراهية.

فبينما انشغلت قوى أخرى بالأرض والجماهير والقوة العسكرية والشعارات، ركز العليمي على ما يعرفه رجل الإدارة والسياسة جيدًا:

المؤسسة.

التعيينات.

الوزارات.

الصلاحيات.

العلاقات.

مراكز القرار.

والنفوذ داخل أجهزة الدولة.

وقد ترى القوى الجنوبية أن مواقعها في بعض مفاصل الدولة السيادية لا تتناسب مع حجم حضورها على الأرض، وأن أعضاءها في مجلس القيادة لا يملكون الوزن الذي تتوقعه جماهيرهم.

لكن إن كان ذلك صحيحًا، فالسؤال الأهم ليس:

لماذا فعل العليمي ذلك؟

بل:

كيف سُمح له سياسيًا أن يفعل ذلك؟

فالسياسة ليست جمعية خيرية.

ومن يترك فراغًا سيملؤه غيره.

ومن يمتلك الأرض ولا يحولها إلى مؤسسة، سيجد من يمتلك المؤسسة يحكمه من خلالها.

وهنا المفارقة القاسية:

قد تنتصر عسكريًا على الأرض، ثم تخسر سياسيًا على طاولة صغيرة داخل مكتب.

وماذا عن الزبيدي؟

السؤال نفسه يجب أن يوجه إلى عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي.

ما قيمة السيطرة العسكرية إذا لم تتحول إلى سلطة مؤسسية؟

وما قيمة التعيينات الخارجية إذا لم تنعكس على مركز القرار؟

وما قيمة الجماهير إذا لم تتحول إلى مشروع سياسي واقتصادي وإداري متكامل؟

ليس المهم كم عدد المناصب.

المهم:

ماذا أضاف كل منصب إلى المشروع؟

وليس المهم عدد الزيارات والاجتماعات.

المهم:

ماذا تحقق بعدها؟

فالسياسة لا تقاس بالصور، وإنما بالنتائج.

وكان يمكن خلال السنوات الماضية بناء نموذج مختلف تمامًا.

كان يمكن بناء دولة داخل الدولة

لو وُجدت عقلية مؤسساتية منذ البداية، لكان الهدف المرحلي واضحًا:

بناء نموذج دولة على الأرض قبل المطالبة بالدولة على الورق.

قضاء محترف.

إدارة حديثة.

اقتصاد.

استثمار.

موانئ تدار بكفاءة.

إيرادات واضحة.

خدمات.

تعليم.

أمن مؤسسي.

حوكمة.

شفافية.

ومراكز دراسات تصنع القرار بدل أن تصنعه ردود الفعل.

عندها يصبح الاعتراف السياسي تحصيل حاصل لواقع موجود أصلًا.

فالعالم لا يتعامل مع الأمنيات.

العالم يتعامل مع الحقائق الموجودة على الأرض.

وكان يمكن أن يصبح الجنوب دولة داخل الدولة كمرحلة انتقالية، يبني مؤسساته واقتصاده ونموذجه الإداري حتى تأتي اللحظة السياسية المناسبة.

لكن ذلك يحتاج إلى رجال دولة، لا مجرد رجال ثورة.

والفرق بين الاثنين كبير:

الثائر يعرف كيف يصل إلى القصر… أما رجل الدولة فيعرف ماذا يفعل صباح اليوم التالي.

وهنا تبدأ قصة حضرموت

كل ما سبق ليس الهدف منه جلد تجربة الجنوب.

التاريخ حدث وانتهى.

ولا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

لكن يمكن فعل شيء أهم:

منع تكرار الخطأ في حضرموت.

فهذه الأرض تقف اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية.

وتحيط بها مشاريع متعددة.

وكل طرف يريدها ضمن حساباته.

وكل مشروع يحاول تقديم نفسه باعتباره الطريق الوحيد أمام الحضارم.

وهنا تكمن الخطورة.

حضرموت لا ينبغي أن تنتقل من تبعية إلى تبعية.

ولا من مركز إلى مركز.

ولا من ثورية إلى ثورية أخرى.

ولا ينبغي أن ترث صراعات لم تصنعها، ولا أن تتحمل فاتورة أخطاء سياسية بدأت قبل ستة عقود.

حضرموت ليست غنيمة لأحد

هذه الحقيقة يجب أن تكون نقطة البداية.

حضرموت ليست خزان نفط يُتنازع عليه.

وليست مساحة جغرافية تُضاف إلى خرائط المشاريع السياسية.

وليست رقمًا في معادلة صنعاء أو عدن.

حضرموت مجتمع وتاريخ وثروة وموقع جغرافي بالغ الأهمية، ولها خصوصيتها التي لا يجوز اختزالها داخل صراعات الآخرين.

ولذلك فإن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه الحضارم اليوم هو تكرار تجربة 1967:

أن يسمحوا للحماس السياسي بأن يسبق مشروع الدولة.

وأن يسمحوا للشعارات بأن تسبق المؤسسات.

وأن ينقسموا إلى معسكرات تخوّن بعضها بعضًا.

وأن يبدأوا بإقصاء بعضهم قبل أن يعرفوا أصلًا ماذا يريدون لمستقبل أرضهم.

فمن يبدأ مشروعه السياسي بإقصاء نصف مجتمعه، سيقضي بقية عمره يحاول السيطرة على النصف الآخر.

حضرموت تحتاج العقل… لا الانفعال

حضرموت لا تحتاج إلى بطل جديد.

ولا إلى زعيم يرفع صوته أكثر من الآخرين.

ولا إلى مزيد من الشعارات.

تحتاج إلى مشروع.

مشروع سياسي.

واقتصادي.

وأمني.

واجتماعي.

وتنموي.

وتحتاج إلى مجلس من العقول قبل أن تحتاج إلى مجلس من الزعامات.

خبراء نفط وغاز.

اقتصاديون.

رجال أعمال.

قانونيون.

أكاديميون.

خبراء مياه وزراعة.

متخصصون في الموانئ واللوجستيات.

مخططون للمدن.

ودبلوماسيون وسياسيون يعرفون المنطقة والعالم.

فهذه هي الأدوات التي تصنع مستقبل الأوطان.

أما البندقية فتحمي المشروع، لكنها لا تستطيع أن تكون المشروع.

وحضرموت بحاجة إلى السعودية

ومن موقع سعودي ومن جذور حضرمية، أرى أن مستقبل حضرموت لا ينبغي أن يُقرأ بعيدًا عن عمقها الخليجي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية.

ليس بمنطق التبعية، وإنما بمنطق المصالح والجغرافيا والأمن والتنمية والاستقرار.

فالسعودية هي القوة الإقليمية الأكبر والأقرب، وأمن حضرموت واستقرارها وتنميتها يتقاطع بصورة مباشرة مع أمن المملكة واستقرار شبه الجزيرة العربية.

والعلاقة الذكية لا تبنى بالشعارات العاطفية.

تبنى بالمصالح المشتركة.

استثمار.

طاقة.

موانئ.

طرق.

تنمية.

أمن.

تعليم.

وتكامل اقتصادي طويل المدى.

حضرموت تحتاج إلى أن تعرف أين تقع مصالحها بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، لا أين تقف في معركة سياسية عابرة اليوم.

لا ترثوا أخطاء الآخرين

وهذه هي الرسالة التي يستحق أن ينتهي عندها الحديث.

يا أهل حضرموت:

اقرؤوا ما حدث منذ 1967.

اقرؤوا كيف تحولت الخلافات إلى إقصاء.

وكيف تحول الإقصاء إلى صراع.

وكيف تحول الصراع إلى دم.

وكيف أضعف الدم الدولة.

وكيف دخلت الأطراف بعد ذلك في خيارات مصيرية وهي منهكة.

ثم انظروا أين انتهى المشهد بعد قرابة ستة عقود.

ليس المطلوب التشفي بأحد.

ولا الادعاء بأن طرفًا كان دائمًا على حق وطرفًا كان دائمًا على خطأ.

المطلوب شيء أبسط وأهم:

التعلم.

فالحكيم ليس من يتعلم من أخطائه فقط.

الحكيم من يرى أخطاء الآخرين ولا يحتاج إلى ارتكابها بنفسه حتى يصدق نتائجها.

حضرموت أمام فرصة تاريخية.

إما أن تبني مشروعها بالعقل والمؤسسات والمصالح والتخطيط، وتفتح أبوابها لكل أبنائها مهما اختلفت آراؤهم…

وإما أن تستورد صراعات الآخرين، وتعيد إنتاج ثقافة الإقصاء والثورية والانفعال، ثم تنتظر ستين عامًا أخرى لتكتشف الحقيقة نفسها.

التاريخ لا يكرر نفسه… البشر هم الذين يكررون أخطاءهم

ستة عقود كانت كافية لتقديم الدرس.

الشجاعة وحدها لا تبني دولة.

والثروة وحدها لا تصنع سيادة.

والجغرافيا وحدها لا تحمي أصحابها.

والتضحيات، مهما عظمت، لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب سياسية.

ما يحول كل ذلك إلى دولة هو:

العقل.

ثم المؤسسة.

ثم التخطيط.

ثم القدرة على إدارة الاختلاف.

ثم معرفة متى تتحالف، ومتى تفاوض، ومتى ترفض، ومتى تنتظر.

فالسياسة ليست أن تقول «لا» بأعلى صوت.

السياسة أن تعرف ماذا سيحدث في اليوم التالي بعد أن تقولها.

ومنذ 1967 وحتى اليوم، دفعت المنطقة أثمانًا باهظة حتى تتعلم هذه الحقيقة.

ولذلك لم يعد السؤال: ماذا حدث للجنوب؟

فهذا أصبح تاريخًا مكتوبًا بالدم والأخطاء والتضحيات.

السؤال الذي يخص المستقبل هو:

بعد ستة عقود من الأخطاء… فهل تتعلم حضرموت؟

أم أنها ستكرر الطريق نفسه، ثم يأتي جيل بعد ستين عامًا ليكتب المقال نفسه بأسماء جديدة؟

الأمر لله من قبل ومن بعد.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
26 يوليو 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.