كُتاب الرأي

الحوثي… صناعة خصومه!

الحوثي… صناعة خصومه!

مهندس صالح بن سعيد المرزم

هناك حقيقة مؤلمة آن لليمنيين وللإقليم أن يواجهوها بلا تجميل:

مشكلة اليمن ليست فقط في قوة الحوثي، بل في هشاشة خصومه وتناقض مصالحهم.

فبعد أكثر من عقد من الحرب، ومليارات أُنفقت، وجيوش وتشكيلات ومجالس وقيادات أُنشئت، يبقى السؤال الأخطر:

كيف استطاع الحوثي أن يحافظ على تماسك سلطته وآلته العسكرية، بينما ظل المعسكر الذي يعلن أنه يقاتله موزعًا بين حكومات ومجالس وأحزاب وتشكيلات عسكرية ومصالح مناطقية وشخصية متصارعة؟

الجواب، في تقديري، أخطر من مجرد سوء إدارة للحرب.

لقد تحولت الحرب بالنسبة إلى بعض الأطراف داخل المعسكر المناهض للحوثي من معركة يُفترض أن تنتهي، إلى حالة سياسية واقتصادية ووظيفية يجري التعايش معها والاستفادة منها.

فالحروب الطويلة تصنع اقتصادها الخاص: مناصب، ميزانيات، رواتب، سفريات، عقود، نفوذ، تمثيل سياسي وعلاقات خارجية. ومع مرور السنوات يصبح السؤال مشروعًا:

كم مسؤولًا بنى مكانته ونفوذه على استمرار الحرب؟ وكم مؤسسة وشخصية ستفقد مبرر وجودها وامتيازاتها في اليوم التالي لانتهائها؟

ولا يعني ذلك اتهام كل من يعمل في مؤسسات الحكومة اليمنية؛ لكن تجاهل هذه الحقيقة هو تجاهل لأحد أهم أسباب استمرار الأزمة.

الحوثي يعرف ماذا يريد… فماذا يريد خصومه؟

الحوثي يريد السلطة والأرض والسلاح والقرار.

قد نرفض مشروعه جذريًا، لكن وضوح الهدف في الحروب قوة بحد ذاته.

أما المعسكر المقابل؟

هذا يريد استعادة الجمهورية، وآخر يريد الانفصال، وثالث يريد حصته من الدولة، ورابع يريد الاحتفاظ بمنطقته، وخامس ينتظر موقعه في التسوية القادمة، وسادس يستمد قوته أساسًا من علاقته بالداعم الخارجي.

وهكذا أصبح الحوثي يقاتل بمشروع واحد وقيادة أكثر مركزية، أمام معسكر يحمل مشاريع متناقضة تحت لافتة واحدة.

وهنا تكمن الكارثة:

التفكك لا يهزم التنظيم.

والحوثي ليس بالضرورة قويًا بالقدر الذي يبدو عليه؛ بل إن خصومه هم الذين جعلوه يبدو عملاقًا.

كل خلاف بينهم منحه مساحة.

كل صراع على منصب منحه وقتًا.

كل معركة جانبية بينهم منحته جبهة هادئة.

كل فساد أضعف مؤسساتهم قوّاه.

وكل قائد بنى تشكيلًا لنفسه بدل بناء جيش للدولة أضاف لبنة جديدة إلى قوة الحوثي.

ولهذا ربما يكون السؤال الخطأ بعد كل هذه السنوات:

لماذا لم يسقط الحوثي؟

والسؤال الصحيح هو:

هل وُجد أصلًا معسكر واحد يريد إسقاطه، ومستعد لدفع ثمن ذلك حتى النهاية؟

وطارق صالح نموذج يستحق السؤال

لا نحتاج إلى الشتائم كي نطرح السؤال السياسي والعسكري الصعب:

ما قيمة أي قوة عسكرية إذا كانت قوتها مرتبطة بالدعم الخارجي أكثر من ارتباطها بمشروع سياسي وطني قادر على الصمود بذاته؟

القائد العسكري لا يُقاس بعدد العربات ولا بحجم التمويل ولا بكثرة الظهور الإعلامي، وإنما بما يحدث عندما تأتي ساعة الاختبار.

والتطورات الأخيرة على الساحل الغربي تفرض أسئلة جدية حول مستقبل القوات التي بُنيت وسُلحت طوال السنوات الماضية، وحول قدرتها الفعلية على تغيير ميزان القوة.

فإذا كانت هذه التشكيلات لا تستطيع عند ساعة الاختبار تحقيق الهدف الذي أُنشئت من أجله، فمن حق الجميع أن يسأل:

ماذا صنعت كل تلك السنوات والأموال والأسلحة؟

لكنني لا أختزل المشكلة في المذهب وحده. فالقول إن «الزيدي لا يقاتل الزيدي» لا يكفي لتفسير حرب شديدة التعقيد شهدت أصلًا صراعات وانشقاقات داخل البيئة الشمالية نفسها.

الأدق أن نقول:

الحوثي نجح في تحويل بيئته إلى منظومة سلطة أكثر تماسكًا، بينما فشل خصومه في بناء منظومة مقابلة.

أخطر سؤال: من يريد انتهاء الحرب فعلًا؟

هذه هي المسألة التي ينبغي فتحها بلا خوف.

لأن السلام الحقيقي يعني دولة.

والدولة تعني ميزانية واحدة، وجيشًا واحدًا، وسلاحًا واحدًا، وقرارًا واحدًا، ومحاسبة واحدة.

وهذه الأشياء تحديدًا قد لا تناسب أمراء الحرب والمنتفعين من استمرارها.

لذلك فإن ضخ المزيد من الأموال والأسلحة في منظومة سياسية مفككة لن يصنع بالضرورة انتصارًا.

قد يصنع فقط أمراء حرب أكثر ثراءً، وحربًا أطول عمرًا.

وحضرموت؟

على حضرموت أن تقرأ المشهد جيدًا.

من الخطأ أن تربط مستقبلها بصراع قوى أثبتت خلال سنوات طويلة عجزها عن الاتفاق على دولة أو جيش أو حتى تعريف موحد لليمن الذي تريد بناءه.

حضرموت ليست جائزة يحصل عليها المنتصر في صراع صنعاء، ولا خزانًا ماليًا يُستدعى عندما تفلس الحكومات، ولا أرضًا تُستخدم لتعويض هذا الطرف أو ذاك في التسويات.

حضرموت يجب أن تدخل أي مرحلة سياسية قادمة باعتبارها صاحبة قضية ومصلحة وقرار، لا باعتبارها ملحقًا في صفقة يمنية جديدة.

والخلاصة التي قد يكتبها التاريخ يومًا بعبارة واحدة:

الحوثي لم ينتصر لأنه كان الأقوى دائمًا؛ بل لأن خصومه كانوا مشغولين بأنفسهم أكثر من انشغالهم به.

فعندما يواجه صاحبُ المشروع جماعةً بلا مشروع،
ويواجه التنظيمُ التفكك،
ويواجه القرارُ الواحد عشرات القرارات؛
فإن نتيجة الحرب تبدأ في التكوّن قبل أن تبدأ المعركة.

المشكلة لم تكن في عدد البنادق…
بل فيمن يحملها، ولمن يقاتل، وماذا يريد في اليوم التالي للحرب.

كاتب رأي

10 سبتمبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.