الثروة بين النعمة والمسؤولية

الثروة بين النعمة والمسؤولية
كيف يبقى المال وينمو؟
د. بكري بن معتوق عساس
قد تأتي الثروة أحيانًا دفعةً واحدة، فتغيّر حياة الإنسان في أيام، لكن امتلاك المال لا يعني بالضرورة القدرة على المحافظة عليه. فالثروة، مهما عظمت، تحتاج إلى وعيٍ وحسن تدبير، وإلا تحولت من نعمةٍ تفتح أبواب المستقبل إلى موردٍ سريع النفاد.
كان مايكل كارول في التاسعة عشرة من عمره عندما تغيّرت حياته في لحظة واحدة، بعدما فاز بنحو 9.7 ملايين جنيه إسترليني في اليانصيب الوطني البريطاني، وكان يعمل آنذاك جامعًا للقمامة. وفجأة انتقل من حياة بسيطة إلى امتلاك ثروة ضخمة، فبدأ ينفق بسخاء على المنازل والسيارات الفاخرة والحفلات، وانخرط في أسلوب حياة اتسم بالبذخ والإنفاق المتواصل.
لكن الملايين التي ظن أنها ستدوم مدى الحياة بدأت تتبخر مع مرور السنوات؛ إذ استُهلك جزء كبير منها في الكماليات والترفيه ومصاريف الحياة الباهظة. وبعد نحو ثماني سنوات، كان قد استنزف ثروته إلى حد كبير، فعاد إلى العمل في مجال جمع القمامة، ليجد نفسه من جديد خلف شاحنة النفايات، بعد أن عاش فترة قصيرة حياةً لا تشبه بداياته.
وتكشف هذه القصة درسًا مهمًا: ليست المشكلة في امتلاك المال، وإنما في طريقة التعامل معه. فالمال الذي لا يتحول إلى أصولٍ منتجة، أو تعليمٍ واستثمارٍ أو مشروعٍ ناجح، قد ينتهي مهما كان حجمه. أما الثروة التي تُدار بعقلٍ طويل الأمد، فيمكن أن تتحول إلى مصدر استقرار ونمو للأجيال.
ولهذا فإن أول ما ينبغي أن يفعله من يرزقه الله مالًا وفيرًا هو أن يضع خطة واضحة لإدارته، فيفصل بين ما يحتاجه للعيش وبين ما يخصصه للاستثمار والادخار. ومن الحكمة ألا تتحول الزيادة في الدخل إلى زيادة مماثلة في المصروفات؛ لأن ارتفاع مستوى الاستهلاك قد يلتهم الثروة من دون أن يترك أصلًا منتجًا وراءه.
ومن أفضل صور استخدام الثروة أن يُستثمر جزء منها في أصولٍ منتجة ومتنوعة، مثل المشروعات المدروسة، والعقارات المناسبة، والاستثمارات المالية التي تتوافق مع قدرة صاحبها على تحمل المخاطر. كما أن الاستثمار في التعليم والمهارات وبناء المشروعات قد يكون من أكثر الاستثمارات أثرًا؛ لأنه يصنع قدرةً مستمرة على توليد الدخل بدل الاعتماد على رأس المال وحده.
والثروة لا تعني أن يحرم الإنسان نفسه من متع الحياة، فالتوازن مطلوب. فمن حق الإنسان أن يسكن مسكنًا كريمًا، ويقتني ما يحتاج إليه، ويسافر ويستمتع بماله في حدود المعقول. لكن الفرق كبير بين أن يستخدم الإنسان المال لخدمة حياته، وبين أن يجعل حياته كلها في خدمة الاستهلاك.
ومن صور الإدارة الرشيدة أيضًا تخصيص جزء من المال للأعمال الخيرية ومساعدة المحتاجين. فالمال الذي يحقق نفعًا للإنسان وأسرته ومجتمعه يكتسب معنى يتجاوز قيمته المادية، كما أن الإنفاق المسؤول على التعليم والصحة والمبادرات الاجتماعية يمكن أن يترك أثرًا ممتدًا لا تنتهي قيمته بانتهاء المال المنفق.
والأمثلة في الحياة كثيرة على أن بناء الثروة المستدامة يقوم على الصبر، وتنويع مصادر الدخل، وإعادة استثمار جزء من الأرباح، وتجنب الديون الاستهلاكية المرهقة، والاستعانة بأهل الخبرة عند الحاجة. فالثروة المستدامة لا تُقاس بما يملكه الإنسان اليوم فقط، بل بقدرته على المحافظة عليه وتنميته وتحويله إلى أمانٍ وفرصٍ للأبناء ومن يأتي بعدهم.
إن قصة مايكل كارول تذكّرنا بأن الحصول على المال قد يكون لحظة حظ، أما المحافظة عليه وتنميته فهي مهارة ومسؤولية. فالمليونير الحقيقي ليس من يملك الملايين لفترة قصيرة، وإنما من يعرف كيف يحول المال إلى قيمةٍ مستمرة، ويجعل جزءًا منه أصلًا منتجًا، وجزءًا أمانًا للمستقبل، وجزءًا نفعًا للآخرين.
فالمال إذا أُحسن استخدامه أصبح وسيلةً للكرامة والاستقرار والعطاء، وإذا أُسيء إنفاقه أصبح عابرًا مهما كثر. ومن هنا، فإن الحكمة ليست في أن نملك الثروة فحسب، بل في أن نعرف كيف نجعلها تبقى، وتنمو، وتترك أثرًا طيبًا بعدنا.
الثروة أمانة قبل أن تكون امتيازًا، وقيمتها الحقيقية لا تظهر في كثرة ما نستهلكه منها، بل في مقدار ما نبنيه بها من مستقبلٍ أفضل. فليكن المال في أيدينا لا في قلوبنا، ولنجعل جزءًا منه استثمارًا، وجزءًا ادخارًا، وجزءًا عطاءً؛ حتى تتحول النعمة العابرة إلى أثرٍ باقٍ.
كاتب رأي

