فن انتقاء القُرب

فن انتقاء القُرب
بدرية علي العنزي
أعظم هدية تقدمها لنفسك اختيار المحيطين بك، ووضع المسافة المناسبة لهم؛ فالناس أجناس، ومن الحكمة إنزال كل شخص منزلته المناسبة، فلا تعطه فوق حجمه فيطغى، ولا تضعه دون منزلته فيرحل.
ففي العلاقات التي لا تقوم على رحم أو حق أوجبه الله، ليس من الوعي أن تمنحها من نفسك أكثر مما تحتمل، وأن تضع لها حدودًا تتناسب مع سلوك أصحابها؛ فاختيار من يستحق القرب وعي، ووضع الحدود نضج، وانتقاء العلاقات فن.
يقول الشاعر:
إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم
ولا تصحب الأردى فتردى مع الرَّدي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي
فالتخلي عن العلاقات الضارة والصحبة الضالة يحتاج إلى قوة وشجاعة أكثر مما يحتاجه التمسك بها، وعندما تفعل ذلك، ستوسع الطريق لأناس أفضل، وتمنح نفسك مساحة أهدأ، ولأنك لا تستطيع اختيار تصرفات الآخرين وتغييرهم، وهم كذلك، فاترك لهم حرية الاختيار والتصرف بأريحية وفق مكانتك في قلوبهم، ودع المواقف تتحدث دون طلب أو شروط أو لوم، ثم انتقِ.
وضع مسافتك، ووضّح حدودك، وارسم مقدار حضورهم في حياتك؛ فعندما تتعلم أن تمنح كل علاقة مساحتها المناسبة، ستدرك أن اختيار العلاقات الصحية ليس حرمانًا من الناس، وإنما احترام لذاتك.
وأعظم ما تمنحه لنفسك أن تختار من يستحق القرب، ومن تكفيه مسافة معينة لا يتخطاها، ومن لا مكان له في حياتك؛ فالوعي بنوعية علاقاتك يساعدك على وضع المسافة قبل الندم والحسافة.
قال ﷺ:
(المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
فالعلاقات لها تأثير كبير في حياة الإنسان، فقل لي من تصاحب أقل لك من أنت.
فالوعي بمدى أهمية انتقاء العلاقات ووضع المسافات بوضوح له أثر كبير في جودة حياتك؛ فالعلاقات ليست مجرد أشخاص تقضي معهم بعض الوقت، وإنما بيئة تؤثر وتتأثر بها، قد تصحبك إلى الأمان والسعادة ونعيم الدنيا وجنة الآخرة، أو تصحبك إلى القلق والكدر وخسارة الدنيا والآخرة، فهي تؤثر بشكل كبير في جودة حياتك، وفي اختياراتك اليومية وصحتك النفسية.

