كُتاب الرأي

العدوان الحوثي على المملكة

العدوان الحوثي على المملكة

رؤية تحليلية

الأربعاء الموافق (9) سبتمبر (2026)م

كتبه: اللواء البحري الركن المتقاعد عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية

(الدولة التي تمد يدها للسلام لا تتخلى عن حقها في الدفاع عن أمنها وسيادتها ومقدراتها، وعندما يستهدف الإرهاب المدنيين يصبح الردع ضرورة لحماية السلام، لا نقيضًا له.)

كشف العدوان الذي شنته ميليشيا الحوثي الإرهابية على المملكة العربية السعودية مجددًا حقيقة التهديد الذي تمثله هذه الجماعة المسلحة على أمن المملكة والمنطقة، بعد استهدافها أعيانًا مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وإصابة (73) مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، بالتزامن مع استمرار استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وتهديد حرية الملاحة البحرية الدولية.

وقد حدد الموقف السعودي الرسمي طبيعة هذا العدوان وأبعاده بوضوح، من خلال إدانته واستنكاره بأشد العبارات، ورفض النهج العدائي والسلوك الإجرامي الذي دأبت عليه الميليشيا الحوثية الإرهابية في تهديد أمن واستقرار الجمهورية اليمنية ومحيطها العربي والإسلامي، ورفضها المستمر لجهود السلام.

ويكتسب العدوان خطورته من طبيعة الأهداف التي تعرضت لها. فالعدوان لم يستهدف أهدافًا عسكرية في ميدان مواجهة داخل اليمن، وإنما طال مدنًا سعودية وأعيانًا مدنية واقتصادية ومنشآت ومرافق في قطاع الطاقة، وأدى إلى نشوب حرائق، وتوقف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية، وإصابة مواطنين ومقيمين.

وهنا ينبغي تسمية الأشياء بأسمائها؛ ما تعرضت له المملكة عدوان حوثي إرهابي استهدف سيادتها ومدنييها ومقدراتها الوطنية، وليس امتدادًا طبيعيًا لمعارك الجبهات اليمنية، ولا نتيجة يمكن تبريرها تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية.

وقد جاء الموقف السعودي منسجمًا مع مسؤولية الدولة تجاه أمنها؛ فقد أكدت المملكة حقها المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها، وصون مقدراتها الوطنية، والمحافظة على أمن وسلامة المواطنين والمقيمين على أراضيها، وأنها لن تتهاون مع أي اعتداء يستهدف أراضيها ومقدراتها، وذلك بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي.

وهذه العبارة تحدد الإطار السياسي والقانوني للموقف السعودي، ولا تحتاج إلى اجتهاد في تفسيرها. فحرص المملكة على السلام وخفض التصعيد لم يكن في أي مرحلة تنازلًا عن حقها في الدفاع عن نفسها، ولم يكن ضبط النفس ضعفًا، ولم تكن الدبلوماسية الهادئة تفويضًا لأي جماعة مسلحة بأن تستهدف المدن السعودية أو المنشآت المدنية والاقتصادية.

كما وصف المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، التصعيد الحوثي بأنه خطير، وأكد أن الاعتداءات تمثل انتهاكًا سافرًا لسيادة المملكة، وتهديدًا مباشرًا لأمن وسلامة المواطنين والمقيمين، وأن التحالف سيتخذ الإجراءات العملياتية اللازمة لردع الميليشيا، وتحييد مصادر التهديد، والتصدي لنهجها العدائي.

وهنا يجب الفصل بين مسارين متزامنين دون الخلط بينهما.

المسار الأول هو العدوان الحوثي المباشر على المملكة، وهو اعتداء على دولة ذات سيادة ومدنيين ومقدرات وطنية ومنشآت مدنية واقتصادية، ويخضع لموقف المملكة وحقها المشروع في الدفاع عن نفسها.

أما المسار الثاني فهو العمليات العسكرية التي تخوضها القوات المسلحة اليمنية ضد عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة داخل اليمن، لاستعادة الأرض ومؤسسات الدولة. وقد شهدت هذه العمليات خلال الأيام الأخيرة توسعًا في الجوف ومأرب وتعز والبيضاء والساحل الغربي، مع استعادة مواقع، وفتح محاور، وتزايد الضغط على قوات الجماعة واحتياطياتها وخطوط إمدادها.

والتزامن بين المسارين لا يكفي وحده للجزم بأن استهداف المملكة جاء نتيجة مباشرة للخسائر الحوثية في الجبهات اليمنية. فالتحليل المسؤول يميز بين ما تثبته الوقائع وما يمكن استنتاجه منها. لكن التزامن يطرح تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كانت الجماعة تحاول توسيع مساحة التصعيد في وقت تواجه فيه ضغوطًا عسكرية متزايدة داخل اليمن.

ويزيد من خطورة المشهد أن العدوان على المدن السعودية يأتي إلى جانب استمرار التهديد الحوثي للملاحة والسفن التجارية في البحر الأحمر. وهذا يوسع دائرة الخطر من البر إلى البحر، ويجعل سلوك الجماعة تهديدًا لا يقتصر على أمن اليمن والمملكة، وإنما يمتد إلى أحد أهم الممرات البحرية الدولية، وإلى حركة التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر وباب المندب.

ولا يمكن قراءة القدرات الصاروخية والمسيّرة التي تستخدمها الميليشيا الحوثية بمعزل عن ارتباطها بالنظام الإيراني، وما تلقته منه من دعم وتسليح وخبرات خلال سنوات الصراع.

وتحول هذه القدرات إلى أدوات لاستهداف المدن والمنشآت الاقتصادية والسفن التجارية يؤكد خطورة استمرار وجود جماعة إرهابية مسلحة تمتلك وسائل تهديد عابرة للحدود، وترفض الانخراط الجاد في مسار السلام.

ومن الناحية العسكرية، فإن الصواريخ والطائرات المسيّرة تمنح الجماعة قدرة على إحداث الأضرار ورفع مستوى التهديد، لكنها لا تمنحها بالضرورة القدرة على تغيير ميزان العمليات البرية داخل اليمن. وهناك فارق بين القدرة على الوصول إلى هدف مدني والقدرة على الاحتفاظ بالأرض عندما تتعرض القوات والاحتياطيات وخطوط الإمداد لضغط مستمر على جبهات متعددة.

ولهذا ينبغي ألا يحجب العدوان على المملكة ما يجري في الميدان اليمني، وألا يحدث خلط بين مسؤولية المملكة عن حماية سيادتها وأمنها ومهمة القوات المسلحة اليمنية في استعادة الدولة وأرضها ومؤسساتها.

وتتعامل المملكة العربية السعودية مع تهديد خبرت طبيعته على مدى سنوات، بمزيج من القدرة الدفاعية والدبلوماسية والعمل السياسي ودعم جهود السلام. لكن استمرار استهداف المدنيين والمنشآت المدنية والسفن التجارية يؤكد أن السلام يحتاج إلى طرف يؤمن به، ولا يستخدم فترات التهدئة لإعادة إنتاج التهديد.

وتضيف تطورات الساعات التالية للعدوان بعدًا مهمًا إلى المشهد. فقد أعلنت الجهات المختصة زوال حالة التنبيه التي كانت قد رُفعت في خميس مشيط بعد التعامل مع الموقف، بالتوازي مع اتساع دائرة التضامن العربي مع المملكة وإدانة الاعتداءات الحوثية. وأكدت جامعة الدول العربية تضامنها الكامل مع المملكة، ودعمها في مواجهة أي تهديد لأمنها وسيادتها وسلامة أراضيها، معتبرة أمن المملكة ركنًا أساسيًا من أركان الأمن القومي العربي.

وتكتسب هذه المواقف أهميتها من أنها تضع العدوان في نطاقه الإقليمي الصحيح؛ فالاعتداء على المدن والمنشآت المدنية والاقتصادية السعودية وتهديد السفن التجارية في البحر الأحمر لا يمسان المملكة وحدها، وإنما يمتدان إلى أمن الخليج العربي والبحر الأحمر، وحركة التجارة والطاقة، والاستقرار الإقليمي.

ويتزامن ذلك مع بيئة أمنية أكثر اضطرابًا تمتد من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب. غير أن هذا التزامن لا يكفي للجزم بوجود إدارة عملياتية موحدة بين النظام الإيراني والميليشيا الحوثية ما لم تثبت المصادر المعلنة ذلك. والانضباط في هذا التقدير مهم بقدر أهمية إدراك أن تعدد بؤر التهديد يرفع مستوى المخاطر المحيطة بأمن المنطقة.

الخلاصة الاستراتيجية

العدوان الحوثي على أبها وخميس مشيط وجازان ونجران لا ينبغي اختزاله في عدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة التي استخدمت فيه، ولا في حجم الأضرار التي أحدثها. دلالته الأهم أنه يعيد التأكيد على طبيعة التهديد الذي تمثله ميليشيا إرهابية مسلحة مرتبطة بالنظام الإيراني، وقادرة على استهداف المدنيين والمنشآت الاقتصادية وتهديد الملاحة البحرية الدولية.

والمملكة حددت موقفها بوضوح لا يحتمل التأويل؛ فالدفاع عن سيادتها، وصون مقدراتها، والمحافظة على أمن المواطنين والمقيمين حق مشروع، ولن تتهاون مع أي اعتداء يستهدف أراضيها ومقدراتها.

أما داخل اليمن، فإن القوات المسلحة اليمنية تخوض معركتها لاستعادة الدولة والأرض من عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة، وهذه معركة يمنية ينبغي أن تستمر وفق أهدافها العسكرية والوطنية، دون أن تمنح الجماعة فرصة استخدام عدوانها على المملكة لتغيير حقيقة ما تواجهه في جبهاتها الداخلية.

والخطأ الأكبر الذي قد ترتكبه عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة هو أن تفسر حرص المملكة على السلام باعتباره ضعفًا، أو أن تظن أن استهداف المدنيين يمكن أن يمنحها مكسبًا سياسيًا أو عسكريًا. فالدولة التي اختارت السلام قادرة على حماية السلام، وقادرة قبل ذلك على حماية أرضها وشعبها ومقدراتها.

ومن أبها وخميس مشيط إلى جازان ونجران، تؤكد الوقائع أن أمن المملكة وسيادتها ومواطنيها والمقيمين على أرضها ومقدراتها الوطنية ليست مجالًا للمساومة، وأن من يهددها يتحمل مسؤولية اختياره وتبعات عدوانه.

السلام خيار الأقوياء، أما حماية الوطن فواجب لا يخضع للمساومة.

كاتب رأي

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.