كُتاب الرأي

بين هرمز وباب المندب

بين هرمز وباب المندب

رؤية تحليلية .

الأحد الموافق ( 6 ) سبتمبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

{ البحر لا يعترف بمن يرفع صوته على شاطئه بل بمن يستطيع أن يحفظ طرقه مفتوحة وأن يجعل الاعتداء عليها أعلى كلفة من التفكير فيه . }

تدخل المنطقة مرحلة مختلفة في أمنها البحري بعدما امتدت آثار المواجهة العسكرية الأمريكية مع النظام الإيراني إلى فضاء أوسع من حدود إيران وأصبحت سلامة الملاحة والطاقة والموانئ والممرات الدولية جزءا مباشرا من حسابات الحرب . غير أن قراءة المشهد من خلال الصواريخ والمسيّرات وحدها تمنح المعتدي أكبر من حجمه وتحجب حقيقة أهم وهي أن النظام الإيراني يواجه اليوم بيئة إقليمية ودولية تختلف كثيرا عن تلك التي اعتاد اختبار حدودها طوال العقود الماضية .

فالخليج العربي ليس بحيرة إيرانية ومضيق هرمز ليس بوابة يفتحها النظام الإيراني متى شاء ويغلقها متى شاء . إنه شريان عالمي تتقاطع عنده مصالح دول الخليج والقوى الاقتصادية الكبرى والدول المستوردة للطاقة والأساطيل البحرية التي تملك من القدرات ما يجعل محاولة فرض السيطرة عليه مغامرة تتجاوز كثيرا قدرة طهران على تحمل نتائجها .

وقد يستطيع النظام الإيراني إطلاق صواريخ ومسيّرات أو استخدام الألغام والزوارق أو الاعتداء على سفينة عابرة لكنه بذلك يمارس قدرة على الإيذاء وليس قدرة على السيطرة البحرية . والتمييز بين الأمرين مهم في تقدير الموقف العسكري لأن مهاجمة سفينة أو تعطيل الملاحة مؤقتا شيء أما فرض السيطرة المستمرة على ممر بحري حيوي في مواجهة قوى بحرية متفوقة فمعادلة أخرى تماما .

ومن هنا يمكن قراءة الاعتداء الإيراني الآثم على الناقلة السعودية ( سدر ) أثناء عبورها مضيق هرمز باعتباره دليلا على خطورة السلوك الإيراني لا دليلا على تفوقه . فالاعتداء على ناقلة مدنية لا يصنع سيطرة بحرية وإنما يوسع دائرة المتضررين ويرفع الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية للسلوك الذي اختاره النظام الإيراني .

وقد تعاملت المملكة العربية السعودية مع الاعتداء بثقة دولة تعرف قدرها؛ أدانته بوضوح وأكدت حماية أمنها وسيادتها ومصالحها وفي الوقت نفسه تمسكت بوقف التصعيد وسلامة الملاحة الدولية وأمن إمدادات الطاقة والعودة إلى الحلول السلمية . وهذه ليست ازدواجية بين القوة والدبلوماسية بل سلوك دولة تملك القدرة وتدرك مسؤولياتها الإقليمية والدولية .

والتطور الأهم الذي يستحق القراءة اليوم ليس ما يملكه الخصم من وسائل تهديد وإنما ما تغير حول المملكة نفسها .

فالمملكة تدخل هذه المرحلة وهي أوسع شراكة وأكثر تنوعا في خياراتها الدفاعية والاستراتيجية . علاقتها الدفاعية الراسخة مع الولايات المتحدة مستمرة ودورها القيادي داخل مجلس التعاون الخليجي حاضر وإلى جانبه اتفاق مكة للدفاع المشترك مع باكستان وتركيا بما يضيفه من عمق عسكري وسياسي واستراتيجي إلى شبكة العلاقات السعودية .

ولا تكمن أهمية هذه العلاقات في جمع أسماء الدول بقدر ما تكمن في اختلاف ما تستطيع كل شراكة إضافته إلى الأمن الوطني السعودي . فالردع الحديث لا يقاس بعدد السفن والطائرات وحدها وإنما بالإنذار المبكر والمعلومات والقيادة والسيطرة والدفاع الجوي والصاروخي والتقنية والصناعة العسكرية والإمداد والقدرة على العمل المشترك واستمرار العمليات عند الأزمات .

ويظهر البحر باعتباره الاختبار الأكثر وضوحا لهذا التحول . فالتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي تقوده المملكة من الرياض يمثل اتجاها نحو بناء قدرة مشتركة لتعزيز الأمن البحري وحماية طرق الملاحة والتجارة الدولية . كما أن اتساع التعاون السعودي مع الدول والقوى المعنية بأمن الملاحة يجعل الاعتداء على هذه الطرق يصطدم بشبكة مصالح تتجاوز الدولة المستهدفة مباشرة .

ويمتد مجال الحساسية البحرية من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى خليج عمان وبحر العرب ثم خليج عدن وباب المندب وجنوب البحر الأحمر . وهذه المساحة لا ينبغي تصويرها سلسلة من نقاط الضعف بل شبكة مصالح دولية متصلة؛ فما يعبر خلالها ليس نفط المملكة ودول الخليج وحدها وإنما تجارة واقتصادات وسلاسل إمداد ترتبط بآسيا وأوروبا وأفريقيا والعالم .

وهنا يرتد السلوك الإيراني على صاحبه؛ فكلما حاول النظام الإيراني توسيع مساحة التهديد اتسعت مساحة المصالح الدولية التي يصطدم بها .

أما الجماعة الحوثية الإرهابية المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني فينبغي أن توضع في حجمها الحقيقي من دون التقليل من خطورة تحركاتها الراهنة . فهي ليست دولة بحرية ولا قوة إقليمية ولا تملك باب المندب أو جنوب البحر الأحمر لكنها تستغل الجغرافيا اليمنية والسلاح والدعم الإيراني لإنتاج قدرة على الإيذاء تتجاوز وزنها العسكري الحقيقي .

وتكتسب المعارك الدائرة حاليا في محافظة تعز أهمية خاصة في هذه القراءة . فقد حشدت الجماعة الحوثية الإرهابية المسلحة عناصرها باتجاه جبهات غرب تعز والمناطق والمرتفعات المؤثرة في محاور الحركة والاتصال باتجاه الساحل الغربي والمخا بالتزامن مع تصاعد القتال في تلك الجبهات . وهذا التحرك يستحق القراءة من زاوية تتجاوز المكاسب البرية المحدودة إلى أهمية الجغرافيا التي تدور فيها المعركة .

وتكتسب المخا أهمية عملياتية تتجاوز موقعها الساحلي فهي ميناء وموقع استراتيجي على الساحل الغربي اليمني وقريبة من المجال المؤثر في باب المندب . والسيطرة على المرتفعات والطرق المؤدية إلى هذا المحور تمنح من يحتفظ بها قدرة أفضل على المراقبة والحركة والضغط على خطوط الإمداد . ولهذا فإن المعارك الراهنة غرب تعز تحمل بعدا يتصل بأمن الساحل والبحر الأحمر من دون الجزم بأن كل تحرك حوثي هناك يعني خطة مباشرة للسيطرة على باب المندب .

كما تكشف هذه المعارك حدود الفئة الحوثية الباغية بقدر ما تكشف خطورتها . فالقدرة على حشد العناصر وشن هجوم بري واستخدام الصواريخ والمسيّرات شيء والقدرة على الاحتفاظ بالأرض وتأمينها واستدامة العمليات فيها شيء آخر . أما الانتقال من ذلك إلى فرض السيطرة العسكرية على ممر بحري دولي فتلك معادلة أكبر كثيرا من قدرات جماعة مسلحة مهما بلغ حجم الدعم الإيراني لها .

وقد تستطيع العصابة الحوثية الإرهابية إطلاق صاروخ أو مسيرة أو تهديد سفينة أو إرباك الملاحة لفترة محدودة لكنها لا تملك البحر الأحمر ولا تستطيع فرض إرادتها بصورة مستدامة على باب المندب . وكلما وسعت اعتداءاتها على المصالح الدولية وسعت معها دائرة الدول والقوى التي يصبح تحييد خطرها مصلحة مباشرة لها .

وباب المندب لا تحميه السفن في البحر وحدها بل تحميه كذلك موازين القوة على اليابسة المطلة على طرق الوصول إليه .

ومن هذه الزاوية تصبح معارك تعز والساحل الغربي جزءا من البيئة الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر وليست مجرد فصل داخلي من الحرب اليمنية .

وهذه النقطة تغير طريقة قراءة العلاقة بين هرمز وباب المندب . فالمضيقان ليسا كما قد توحي بعض القراءات كماشتين يملكهما النظام الإيراني ويطبق بهما على المنطقة . الأول ممر بحري عالمي يواجه عنده النظام الإيراني تفوقا عسكريا وبحريا كبيرا والثاني تحاول فئة مسلحة مرتبطة به استغلال قربها الجغرافي منه . وبين الحالتين فرق كبير بين الوجود قرب البحر وامتلاك القدرة على السيطرة عليه .

وتمنح المملكة العربية السعودية هذه الجغرافيا معنى مختلفا . فهي دولة تطل على الخليج العربي والبحر الأحمر وتمتلك موانئ ومنشآت طاقة وخطوط أنابيب وطرق تصدير على الساحلين وقوات مسلحة متطورة وعلاقات دفاعية واسعة وموقعا يجعل استقرار البحار المحيطة بها مصلحة سعودية وإقليمية ودولية في آن واحد .

ولهذا فإن ضمان حرية الملاحة من الخليج العربي ومضيق هرمز مرورا بخليج عمان وبحر العرب وصولا إلى خليج عدن وباب المندب وجنوب البحر الأحمر لا ينبغي أن يقدم باعتباره مسؤولية المملكة وحدها . فأمن هذه المساحة جزء من أمن الاقتصاد العالمي ومن الطبيعي أن تتحمل الدول المستفيدة من طرقها نصيبها من مسؤولية حمايتها .

الخلاصة الاستراتيجية .

التحول الذي يستحق الانتباه ليس ازدياد عدد الصواريخ والمسيّرات حول طرق الملاحة وإنما ازدياد عدد الدول التي أصبحت تدرك أن أمنها الاقتصادي يبدأ بعيدا عن موانئها . ومن هنا تكتسب التحالفات والشراكات التي تبنيها المملكة معناها الحقيقي؛ فهي توسع مساحة التعاون وتزيد عمق الردع وتربط الأمن الوطني السعودي بشبكة مصالح تجعل تكلفة الاعتداء أعلى وقدرة المعتدي على عزل المملكة أو الضغط عليها أقل .

أما النظام الإيراني والجماعة الحوثية الإرهابية المسلحة المرتبطة به فلا يمتلكان القدرة العسكرية التي تخولهما فرض السيطرة على مضيق هرمز أو باب المندب . قد يملكان أدوات للإيذاء والتهديد وقد يغامران باستخدامها لكن القدرة على تنفيذ هجوم عابر تختلف جذريا عن القدرة على السيطرة البحرية واستدامتها في مواجهة دول وقوى بحرية تتفوق عليهما بمراحل .

{ قد يضيق البحر بين ضفتين لكن موازين القوة فيه أوسع من أوهام من يعتقد أن تهديد السفن يمنحه حق السيطرة عليه . }

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.