من المصارف إلى ناقلات النفط .

من المصارف إلى ناقلات النفط .
رؤية تحليلية .
الأحد الموافق ( 6 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
{ عندما تضيق منافذ المال يصبح النفط هو الطريق الأخير وعندما يصل الضغط إلى الطريق نفسه تتغير المعادلة . }
تدخل الحرب الأمريكية ضد النظام الإيراني شهرها السابع بصورة مختلفة عما بدأت عليه في ( 28 ) فبراير الماضي؛ فالمواجهة لم تعد تقاس بعدد الضربات العسكرية وحدها بل امتدت إلى المصارف والدولار وشبكات الظل وعائدات النفط وناقلاته، في مسار أمريكي يزداد وضوحا في الجمع بين الضغط العسكري والخنق الاقتصادي لإضعاف قدرة النظام الإيراني على تمويل استمرار المواجهة .
من المصارف إلى الدولار .
ظهرت ملامح هذا المسار مع التحرك الأمريكي ضد الفروع الخمسة لبنك مصر في دولة الإمارات العربية المتحدة، بعدما قدرت السلطات الأمريكية أنها عالجت نحو ( 1.8 ) مليار دولار لصالح ( 103 ) شركات يحتمل ارتباطها بشبكات الظل المصرفية الإيرانية خلال نحو عامين ونصف العام . والتحرك ما زال إجراء أمريكيا مقترحا يستهدف قطع وصول تلك الفروع إلى علاقات المراسلة المصرفية الأمريكية وليس إغلاقا للفروع نفسها .
ثم جاءت الخطوة الأحدث في تركيا باستهداف بنك استثماري وشركتين تابعتين له على خلفية اتهامات أمريكية بتسهيل معاملات مرتبطة بفيلق القدس ونقل عائدات النفط الإيراني القادمة من الصين وتحويل جانب منها إلى نقد وذهب . وهنا تتضح طبيعة الاستراتيجية؛ فواشنطن لا تلاحق الأموال بعد وصولها فقط وإنما تحاول إغلاق الطرق التي تمر منها قبل أن تصل إلى النظام الإيراني .
وتكمن قوة هذه الأداة في أن الدولار ليس مجرد عملة للتبادل بل بوابة رئيسية للتجارة والتحويلات والتسويات الدولية . ولذلك فإن احتمال حرمان مؤسسة مالية أجنبية من الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار قد يجعل كلفة التعامل مع النظام الإيراني أعلى من العائد المتوقع منه . ومع الحديث الأمريكي عن إجراءات ثانوية متلاحقة تتسع دائرة الضغط إلى مؤسسات لم تستهدف بعد لأنها ستعيد حساباتها قبل الدخول في تعاملات قد تعرضها للعقوبات .
ويتجاوز أثر هذه البيئة إيران نفسها؛ فتصاعد الحروب والعقوبات واحتمالات تجميد الأصول دفع عددا من المصارف المركزية إلى إعادة النظر في أماكن حفظ احتياطياتها السيادية وزيادة حيازاتها من الذهب أو تقريب جزء منها إلى مراكز تستطيع الوصول إليها بسرعة عند الأزمات . ولا يعني ذلك تراجعا وشيكا لمكانة الدولار أو فقدان الثقة بالنظام المالي الأمريكي، لكنه يكشف تحولا مهما في إدارة المخاطر؛ فالدول لم تعد تسأل فقط كم تملك من الاحتياطيات بل أين توجد وهل تستطيع الوصول إليها عندما تحتاجها .
ثم جاءت ناقلات النفط .
حملت أحداث ( 5 ) سبتمبر تطورا يتجاوز قيمته العسكرية المباشرة؛ فقد أطلق الحرس الثوري صواريخ باليستية باتجاه سفينتين حربيتين أمريكيتين كانتا تقومان بدورية في مياه المنطقة، وتمكنت حاملة طائرات أمريكية ومدمرة صواريخ موجهة من تفادي الهجمات دون وقوع إصابات بين القوات الأمريكية . وردت القوات الأمريكية باستهداف ثلاث ناقلات للنفط الخام الإيراني؛ فعطلت ناقلتين بصورة دائمة ودمرت الناقلة الثالثة بعد إخلاء طاقمها .
والأهم هنا ليس عدد الناقلات بل اختيار الهدف نفسه . فالرد على فعل عسكري إيراني لم يتجه هذه المرة إلى هدف عسكري مماثل فحسب وإنما إلى فرض كلفة اقتصادية مباشرة على أحد أهم مصادر دخل النظام الإيراني . وبذلك انتقلت المواجهة خطوة أخرى من الضغط على عائدات النفط إلى ضرب بعض وسائل نقله نفسها، وأصبح النفط والناقلة جزءا مباشرا من معادلة الردع .
وتدل طبيعة الأهداف على أن استهداف الناقلات قد يتجاوز كونه ردا عملياتيا منفردا إلى استراتيجية أمريكية أوسع لمعاقبة النظام الإيراني والحد من قدرته على تصدير النفط . وهنا تظهر معادلة ربما تكون من أهم التحولات في هذه المرحلة من الحرب: لم تعد المسألة ضربة مقابل ضربة بل تصعيد إيراني قد تقابله كلفة أمريكية أعلى تمس النفط والمال ووسائل نقلهما .
سلم جديد للكلفة .
إذا استقر هذا النمط فإننا لا نكون أمام جولة عسكرية جديدة فحسب بل أمام تغير محتمل في قواعد إدارة الحرب نفسها . فواشنطن تستطيع أن تجعل مستوى الرد مختلفا عن طبيعة الهجوم الإيراني؛ فإذا استهدف الحرس الثوري قطعة عسكرية أمريكية تستطيع الولايات المتحدة اختيار ناقلة أو أصل نفطي أو شبكة مالية باعتبارها هدفا ذا أثر اقتصادي أكبر .
وبذلك يتشكل ما يمكن وصفه بسلم للكلفة؛ كلما رفع النظام الإيراني مستوى التصعيد العسكري رفعت واشنطن الثمن الذي يدفعه في قطاع آخر . والخطورة بالنسبة للنظام الإيراني أن هذه المعادلة قد تجعل قرار إطلاق صاروخ مرتبطا بحساب قيمة ناقلة أو كمية نفط أو منفذ مالي يمكن خسارته في المقابل، خصوصا بعدما ربط الرد الأمريكي الأخير بصورة مباشرة بين استهداف القطع البحرية وفرض كلفة اقتصادية أعلى . وهنا لم تعد الناقلة مجرد وسيلة لنقل النفط بل أصبحت جزءا من معادلة الردع نفسها .
والتطور الأخطر أن هذه المعادلة لم تتوقف عند الرد الأمريكي؛ فقد أعلن الحرس الثوري لاحقا استهداف ناقلات وثلاث سفن قال إنها مرتبطة بالولايات المتحدة، دون تأكيد أمريكي حتى الآن لطبيعة هذه السفن أو تعرضها للإصابة . وإذا استمر هذا النمط فإن سلم الكلفة قد يتحول إلى دائرة تصعيد متحركة؛ ضربة تقابلها خسارة اقتصادية ثم رد جديد يستدعي كلفة أكبر، بما يرفع احتمالات انتقال المواجهة من الضغط المحسوب إلى سلسلة من الردود يصعب التحكم في نهايتها .
هل تغيرت الاستراتيجية الإيرانية؟
يفتح استهداف السفينتين الأمريكيتين سؤالا آخر: هل بدأ النظام الإيراني يعيد توجيه ردوده بصورة أكبر نحو القوات الأمريكية مباشرة بدلا من توسيع دائرة المواجهة عبر دول المنطقة؟
من المبكر الجزم بذلك، فالحرب شهدت أنماطا متعددة من الضرب والرد . لكن استهداف قطعتين بحريتين أمريكيتين بصورة مباشرة قد يكون مؤشرا على محاولة النظام الإيراني استعادة شيء من الردع ورفع الكلفة على واشنطن نفسها .
وهذا التحول إن استمر يستحق المتابعة؛ لأن السياسات الهجومية للنظام الإيراني سبق أن وسعت دائرة الحرب إلى دول عربية مجاورة لم تكن طرفا فيها بالصورة التي تبرر الاعتداء على أراضيها، كما تعرضت منشآت مدنية ومطارات وموانئ ومرافق للطاقة للخطر وامتدت التداعيات إلى الملاحة الدولية في الخليج العربي ومضيق هرمز . ومن ثم يتحمل النظام الإيراني جانبا رئيسيا من مسؤولية توسيع التوتر وإدخال أمن المنطقة والتجارة والطاقة الدولية في حسابات مواجهته مع الولايات المتحدة .
المصلحة الأمريكية واستقرار المنطقة .
وتتحرك الولايات المتحدة في هذه المواجهة من منطلق مصالحها الوطنية والقومية بالدرجة الأولى، لكنها في الوقت نفسه تبذل جهودا عسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة للمحافظة على استقرار المنطقة وضمان حرية الملاحة البحرية الدولية واستمرار تدفق الطاقة والتجارة عبر الممرات البحرية الحيوية .
وهي بذلك تمارس مسؤولياتها كقوة عظمى بما تمتلكه من قدرات وانتشار وتأثير يمكنها من تحمل جانب رئيسي من أعباء حماية حرية الملاحة الدولية واستقرار طرق الطاقة والتجارة وردع محاولات تهديدها . وتلتقي هنا المصلحة القومية الأمريكية مع مصالح دول المنطقة وأمن الاقتصاد العالمي واستقراره؛ فأمن الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب لا يقتصر أثره على الدول المطلة عليها بل يرتبط بحركة الطاقة والتجارة والأسواق في أنحاء واسعة من العالم .
ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب مهم من الاستراتيجية الأمريكية الحالية؛ فهي لا تعمل فقط على زيادة كلفة سياسات النظام الإيراني بل تسعى أيضا إلى منعه من تحويل الممرات البحرية الدولية والطاقة العالمية إلى أدوات ضغط في مواجهته مع الولايات المتحدة .
احتمال الحرب الطويلة .
بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب لا يمكن استبعاد امتداد المواجهة سنة أخرى وربما سنتين إذا بقيت شروط الطرفين متباعدة ولم تنتج الوساطات تسوية قابلة للاستمرار .
وتدعم هذا الاحتمال مؤشرات عدة؛ فالولايات المتحدة تحتفظ بقوة عسكرية كبيرة في المنطقة، بينما ما زال النظام الإيراني يمتلك القدرة على إطلاق الصواريخ والاستمرار في المواجهة رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة .
ولا يعني ذلك أن تبقى العمليات العسكرية بالمستوى نفسه كل يوم . فالسيناريو الذي ينبغي وضعه في الحساب قد يكون حرب استنزاف طويلة تتعاقب فيها الضربات والحصار والعقوبات والتهدئة والمفاوضات ثم العودة إلى التصعيد . وهذا النمط يسمح لواشنطن بمواصلة الضغط دون الحاجة إلى حملة جوية كثيفة بصورة دائمة لكنه يفرض عليها في المقابل كلفة مستمرة في الانتشار والذخائر والصيانة والإمداد وحماية الملاحة والقواعد العسكرية .
التقدير الاستراتيجي .
وتدل مجمل المؤشرات الحالية على أن الولايات المتحدة تحاول بناء حلقة ضغط متصلة حول النظام الإيراني: النفط ثم الناقلة ثم المشتري ثم المصرف ثم الدولار . وكل منفذ يغلق يزيد الضغط على المنفذ الذي يليه، بينما يجعل استهداف الناقلات القوة العسكرية جزءا من الضغط الاقتصادي نفسه .
لكن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد المصارف والناقلات المستهدفة بل بقدرتها على تقليص المنافذ التي يستطيع النظام الإيراني من خلالها بيع النفط وتحريك أمواله وتمويل عملياته، وبقدرته في المقابل على تحمل الضغط وإيجاد طرق بديلة والاستمرار في المواجهة .
ولهذا قد لا يكون السؤال خلال المرحلة المقبلة متى تنتهي الحرب بقدر ما سيكون أي الطرفين يستطيع تحمل كلفة استمرارها مدة أطول؛ فالحروب الطويلة لا تختبر قوة السلاح وحده بل قدرة الدول على احتمال أثمانه، ومن يعرف متى يقاتل ومتى ينتظر يدرك أن الزمن نفسه قد يصبح جزءا من القوة، وأن الحرب إذا ابتعدت عن غايتها السياسية تحولت كلفتها مع الأيام إلى عبء على من يخوضها .
وقد تكون أخطر لحظات الصراع تلك التي يعتقد فيها أحد الطرفين أن خصمه أوشك على الانكسار فيرفع سقف المخاطرة بينما يكون الخصم قد اختار الانتظار والاستنزاف؛ فليس كل من يستطيع إطالة الحرب يستطيع كسبها وليس كل من يملك القوة يملك بالضرورة النهاية التي يريدها .
وإذا استمر المسار الحالي فقد تكون الحرب قد انتقلت من البحث عن نهاية سريعة إلى اختبار طويل للإرادة والقدرة والاقتصاد؛ فالضغط المتراكم قد يكون أشد أثرا من الضربة المنفردة والزمن قد يفعل في اقتصاد الدول ما لا تفعله ضربة عسكرية واحدة، وقد يصبح الخطر الحقيقي على النظام الإيراني ليس في عقوبة واحدة مهما بلغت قوتها بل في اليوم الذي تصبح فيه جميع طرق الالتفاف أكثر كلفة من العائد الذي تحققه .

