قواعد الحرب تتغير .

قواعد الحرب تتغير .
رؤية تحليلية .
السبت الموافق ( 29 ) أغسطس ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
{ تتغير الحروب عندما يصبح الوصول إلى مال الخصم وطرقه وشركائه جزءا من المعركة بقدر الوصول إلى قواته ومواقعه . }
لم يعد الضغط على النظام الإيراني يتوقف عند حدود إيران . فالخطوة الأمريكية الأخيرة تجاه ( مؤسسة مصرفية عربية ) تكشف اتجاها أكثر اتساعا في إدارة المواجهة يقوم على ملاحقة المنافذ التي ترى واشنطن أنها تساعد طهران على الوصول إلى الدولار والأسواق الدولية بالتوازي مع استمرار الصراع حول مضيق هرمز واتساع الشراكات الدفاعية في الخليج العربي وعودة اليمن وباب المندب إلى واجهة الحسابات العسكرية والأمنية .
هذه التطورات لا تثبت وجود خطة واحدة تجمعها ولا تعني أن القوة العسكرية تراجعت عن المشهد لكنها تكشف تحولا يستحق القراءة. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول ما يستطيع النظام الإيراني إطلاقه من صواريخ ومسيرات أو ما تستطيع الولايات المتحدة استهدافه من منشآت وقدرات بل حول سؤال أكثر اتساعا : كم منفذا يستطيع كل طرف إبقاءه مفتوحا وكم منفذا يستطيع خصمه إغلاقه؟ .
ومن هنا تبدو قواعد الحرب نفسها وكأنها تتغير .
1. من ضرب القدرات إلى تضييق البدائل .
المؤشر الأكثر وضوحا ظهر في انتقال الضغط الأمريكي من استهداف الاقتصاد الإيراني بالعقوبات التقليدية إلى محاولة ملاحقة القنوات المالية الخارجية التي ترى واشنطن أنها تمنح النظام الإيراني القدرة على الوصول إلى الدولار والنظام المالي الدولي .
وجاء الإعلان الأمريكي في ( 28 ) أغسطس بشأن بنك مصر في دولة الإمارات العربية المتحدة ليقدم مثالا حديثا على هذا التحول . فبحسب ما أعلنته وزارة الخزانة الأمريكية فإن الإجراء المقترح يستهدف تقييد وصول المؤسسة المعنية إلى النظام المالي الأمريكي على خلفية معاملات تقول السلطات الأمريكية إنها مرتبطة بشبكات مالية تخدم النظام الإيراني .
وإذا اتسع تطبيق هذا النهج ليشمل مؤسسات مالية وتجارية أخرى خارج إيران فإن العقوبات تنتقل إلى مرحلة أكثر حساسية لا تستهدف طهران وحدها بل ترفع كذلك كلفة التعامل معها بالنسبة إلى الأطراف الخارجية . وهنا تصبح الرسالة الأمريكية أوسع من بنك أو دولة بعينها لأنها تضع المؤسسات أمام حساب صعب بين استمرار التعامل مع النظام الإيراني والمحافظة على وصولها إلى الأسواق والشبكات المالية الغربية .
2. البحر لم يعد مجرد ساحة عسكرية .
أثبت مضيق هرمز خلال الحرب أن القوة البحرية لا تقاس بعدد السفن والقطع العسكرية وحدها. فالموقع الجغرافي للمضيق منح النظام الإيراني قدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة ورفع كلفة التأمين والنقل رغم التفوق العسكري الأمريكي الكبير .
ولهذا لم يعد هرمز مجرد ممر بحري تتنافس حوله القوات وإنما أصبح ورقة سياسية واقتصادية وميدانا لاختبار العلاقة بين القوة العسكرية والجغرافيا. وكل اضطراب في الملاحة يمتد أثره من الخليج العربي إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد الدولي .
وفي المقابل فإن استمرار الجهود الرامية إلى تأمين الممرات الملاحية وتوسيع الخيارات البديلة يقلل تدريجيا من قدرة أي طرف على تحويل المضيق إلى أداة ضغط مفتوحة المدى .
3. الجغرافيا تدخل المعركة .
من أهم نتائج الأشهر الستة الماضية أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطا فقط بحماية المنشآت وإنما بقدرة الدول على تنويع طرق الوصول إلى الأسواق .
وتمتلك المملكة العربية السعودية ميزة استراتيجية مهمة من خلال امتدادها بين الخليج العربي والبحر الأحمر وشبكات نقل الطاقة التي تمنحها خيارات متعددة بينما تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة قدرات تصديرية خارج مضيق هرمز . كما تتجه الاستثمارات الإقليمية بصورة متزايدة نحو الموانئ وخطوط الأنابيب والطرق البرية والسكك الحديدية والممرات اللوجستية البديلة .
وتدل هذه التحولات على أن التعامل مع تهديد الممرات البحرية لا يقتصر على القوة العسكرية بل يمتد إلى الجغرافيا والاقتصاد. فكل برميل نفط أو شحنة تجارية تستطيع الوصول إلى الأسواق عبر طريق بديل تخفض جزءا من القيمة الاستراتيجية لاستخدام المضيق أداة للضغط .
4. شبكة دفاعية تتسع .
جاء اتفاق مكة بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا ثم الاتفاق العسكري الأخير بين الكويت وباكستان في توقيت يمنحهما أهمية إضافية ضمن البيئة الأمنية الجديدة التي تعيشها المنطقة وإن اختلف الاتفاقان في طبيعتهما والتزاماتهما .
فاتفاق مكة يقوم على مفهوم أوسع للردع والدفاع المشترك بينما تركز المعلومات المنشورة عن الاتفاق الكويتي الباكستاني على التعاون العسكري والتدريب وتبادل الخبرات ورفع الجاهزية والتنسيق بين المؤسستين العسكريتين .
ولا يعني تتابع هذه الاتفاقات انتقال دول المنطقة من شريك دولي إلى آخر أو تراجعا عن العلاقات الاستراتيجية القائمة مع الولايات المتحدة بل يدل على اتجاه نحو توسيع شبكة الشراكات الدفاعية ورفع المرونة الاستراتيجية وتعدد الخيارات في بيئة أمنية أصبحت أكثر تعقيدا .
5. الأذرع الإرهابية جزء من ميزان الحرب .
اليمن والبحر الأحمر وباب المندب ليست ساحات منفصلة تماما عن المشهد الإقليمي. فالتصعيد الأخير ضد ميليشيا الحوثيين الإرهابيين واستهداف منصات إطلاق المسيرات ومراكز القيادة والحشود العسكرية إذا استمر واتسع سيضع ضغوطا إضافية على إحدى الجماعات الإرهابية المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني ودعمه خلال السنوات الماضية .
كما أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب يجعل أمن هذه المنطقة متصلا بأمن الخليج العربي ومضيق هرمز لأن تعطيل أي من الممرين ينعكس مباشرة على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية .
ومع ذلك فإن الربط بين التحركات اليمنية والضغط الاقتصادي الأمريكي واتفاقات الدفاع الإقليمية باعتبارها أجزاء من خطة عمليات واحدة يحتاج إلى دليل غير متوافر حتى الآن . والأدق أن المصالح والتهديدات المتقاطعة تدفع أطرافا مختلفة إلى تحركات متوازية قد تتراكم آثارها في اتجاه واحد .
6. معركة الزمن .
ربما تكون هذه أهم قواعد المرحلة الجديدة. فقد أظهرت الأشهر الستة الماضية أن التفوق العسكري الكبير لا يتحول بالضرورة وبالسرعة نفسها إلى نتيجة سياسية نهائية .
فالولايات المتحدة تراهن على أن استمرار الضغط الاقتصادي والمالي والبحري سيخفض قدرة النظام الإيراني على تمويل الحرب والمحافظة على شبكاته الخارجية وصناعة البدائل بينما تراهن طهران على قدرتها على الصمود والمحافظة على أدوات الضغط ورفع تكلفة استمرار المواجهة على خصومها وعلى الاقتصاد الدولي .
وهنا يتحول الزمن نفسه إلى عنصر من عناصر القوة . فالطرف الذي يستطيع المحافظة على موارده وشبكاته وشركائه وفتح منافذ جديدة قبل أن تغلق القديمة قد يكون أقدر على الصمود حتى وإن تعرض لخسائر عسكرية كبيرة .
التقدير الاستراتيجي .
تدل أغلب المؤشرات الحالية على أن قواعد المواجهة تتغير دون أن يعني ذلك أن نتيجتها قد حسمت . فالمرحلة الأولى اختبرت الصواريخ والطائرات والقواعد والسفن أما المرحلة الجديدة فتختبر الاقتصاد والمصارف والطاقة والموانئ والشراكات والطرق البديلة والقدرة على الاحتمال .
وقد لا تكون التحركات التي نشاهدها اليوم صادرة عن غرفة سياسية أو عسكرية واحدة لكن آثارها تتراكم في مساحة واحدة وهي تضييق البدائل المتاحة أمام النظام الإيراني .
والحرب في مرحلتها القادمة لن تقاس فقط بعدد الصواريخ التي تطلق ولا بعدد الأهداف التي تضرب بل بقدرة كل طرف على حماية موارده وفتح طرقه والمحافظة على شركائه وإدامة اقتصاده وصناعة البدائل قبل أن يغلقها خصمه .
{ الخطر الظاهر يمكن الاستعداد له أما الطريق الخفي الذي تعبر منه مصالح الخصم فقد يبقى مفتوحا حتى يكشفه أثره . }
وفي حروب الاقتصاد الحديثة قد لا يكون ذلك الطريق موقعا عسكريا ولا حدودا جغرافية بل حسابا مصرفيا أو شركة أو وسيطا أو شبكة تجارة تبدو بعيدة عن ميدان القتال بينما تصبح في لحظة جزءا منه .
ولهذا فإن تغير قواعد الحرب لا يغير أدواتها وحدها بل يغير كذلك معنى الحذر فيها .
وإذا كانت الأشهر الستة الأولى قد اختبرت القوة العسكرية فإن الأشهر القادمة قد تختبر شيئا أكثر صعوبة :
من يملك القدرة على الاستمرار عندما يصبح الزمن والمال والبحر والمنافذ جميعها جزءا من ميدان الحرب؟ .
