*أهمية اتفاق مكة للدفاع المشترك .*

*أهمية اتفاق مكة للدفاع المشترك .*
*رؤية تحليلية للكاتب.*
*الجمعة الموافق (14) أغسطس 2026م.*
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية.
*{ أي عدوان على أحدنا … عدوان على الجميع. }*
يحمل اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي وقعته المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية في قصر الصفا بمكة المكرمة يوم الجمعة الموافق (7) أغسطس 2026م أهمية تتجاوز مفهوم التعاون الدفاعي التقليدي إلى تأسيس معادلة ردع مشتركة بين ثلاث دول تمتلك ثقلا سياسيا وعسكريا واقتصاديا وجغرافيا مؤثرا في محيطها الإقليمي والدولي.
وجاء الاتفاق في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في موازين القوى وتصاعدا في استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية والسيبرانية وتزايدا في التهديدات التي تطال الممرات البحرية ومصادر الطاقة والمنشآت الحيوية وسلاسل الإمداد. وهي بيئة تجعل الاستعداد للمخاطر قبل وقوعها وبناء القدرة على منع العدوان جزءا أساسيا من مسؤولية الدولة عن أمنها الوطني.
*ومن هنا تبدأ الأهمية الإستراتيجية لاتفاق مكة.*
*فالقدرات العسكرية والمفاوضات الأخوية الشقيقة المشتركة للدول الثلاث كانت قائمة قبل توقيعه بفترة طويلة لكن المتغير الجديد يتمثل في إرتباط هذه القدرات بالتزام سياسي معلن بأن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما على الجميع . وهذا يغير حسابات أي طرف قد يفكر في العدوان لأنه لن يدرس قدرة دولة منفردة فقط بل سيضطر إلى تقدير ما قد يترتب على قراره من مواقف وقدرات واستجابات أوسع.*
*{ القدرات كانت قائمة قبل اتفاق مكة لكن الاتفاق أعاد صياغة حسابات الردع المرتبطة بها. }*
ويستمد هذا المفهوم مشروعيته من حق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس الذي تقره المادة {51} من ميثاق الأمم المتحدة. ولذلك فإن الاتفاق في جوهره دفاعي وردعي يهدف إلى تعزيز الأمن والسلام والاستقرار ولا يقوم على البحث عن خصم أو استهداف دولة بعينها.
وتقف المملكة العربية السعودية في قلب هذه المعادلة بثقلها العربي والإسلامي والسياسي والاقتصادي والعسكري وموقعها المحوري في أمن الخليج العربي والبحر الأحمر والطاقة والتجارة العالمية. وتأتي تركيا بقدراتها العسكرية والصناعية وموقعها الجيوسياسي المؤثر بينما تضيف باكستان قدراتها العسكرية والبشرية وخبراتها الدفاعية وموقعها الإستراتيجي في جنوب آسيا وبحر العرب.
ولا يمثل الاتفاق بديلا عن منظومة الأمن الخليجي أو الشراكات الإستراتيجية القائمة بل يضيف مساحة جديدة للتعاون الدفاعي. فالمملكة تنطلق من أمنها الوطني ومن أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وتوسع شراكاتها بما يعزز المصالح المشتركة ويحافظ على علاقاتها مع حلفائها وشركائها الدوليين.
وهذه دلالة سعودية مهمة. فالمملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظهما الله تبني قدراتها وتوسع خياراتها وتساهم في صناعة الاستقرار من موقع دولة تعرف مصالحها وتعمل من أجل السلام دون أن تغفل متطلبات القوة التي تحميه
وتنتقل أهمية اتفاق مكة من المستوى الإستراتيجي إلى المستوى العسكري والعملياتي حيث تصبح مصداقية الردع هي المعيار الأهم. فالالتزام السياسي يزداد تأثيره عندما يستند إلى القدرة والإرادة والجاهزية وعندما يدرك المعتدي المحتمل أن قرار استخدام القوة ستكون له نتائج تتجاوز الحسابات التي سبقت الاتفاق.
وقد نص الاتفاق على تطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث وهو ما يفتح المجال أمام بناء مستويات متقدمة من التعاون وفقا للآليات التي تتفق عليها مستقبلا. وهنا تظهر أهمية الانتقال من مفهوم امتلاك القدرات منفردة إلى القدرة على الاستفادة من عناصر القوة المتاحة لكل دولة بما يحقق قيمة دفاعية أكبر للدول الثلاث.
فالحروب الحديثة لم تعد تقاس بأعداد القوات والمنصات والأسلحة وحدها بل بسرعة الحصول على المعلومة ودقة تحليلها وسرعة انتقالها إلى مراكز القيادة وقدرتها على اتخاذ القرار وربط المستشعرات ووسائل الدفاع والاستجابة ضمن منظومات متكاملة.
ومن هذا المنظور يمكن أن يشكل تبادل المعلومات والإنذار المبكر والتدريب والتنسيق بين الجهات العسكرية مجالات مهمة لتطوير التعاون مستقبلا. كما تبرز مواجهة الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة والذخائر الجوالة والهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية باعتبارها من أبرز تحديات البيئة العسكرية المعاصرة.
وتمتلك المملكة العربية السعودية خبرة عملياتية مهمة في حماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين على أرضها ومنشآتها الحيوية من التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة. ويضاف إلى ذلك ما تمتلكه تركيا وباكستان من خبرات عسكرية وتقنية وصناعية بما يوفر قاعدة واسعة لتبادل الخبرات والتدريب وتطوير القدرات.
ويأتي الأمن البحري في صميم هذه القراءة. فالمملكة العربية السعودية تطل على الخليج العربي والبحر الأحمر وترتبط تركيا بمساحات بحرية ذات أهمية إستراتيجية بينما تطل باكستان على بحر العرب. وهذه الجغرافيا ترتبط بممرات حيوية للطاقة والتجارة الدولية مما يجعل حماية الملاحة والموانئ والمنشآت الساحلية وسلاسل الإمداد ذات مردود يتجاوز المصالح الوطنية للدول الثلاث إلى أمن الاقتصاد العالمي واستقراره.
كما يمكن أن يكتسب التدريب والمناورات المشتركة أهمية متزايدة في تطوير القدرة على العمل المشترك وفهم أساليب القيادة والتخطيط والاستجابة لدى القوات المختلفة. فالتعاون العسكري الفاعل لا يبنى عند وقوع الأزمة وإنما يتأسس في وقت السلم من خلال التدريب وتبادل الخبرات ورفع مستويات الجاهزية.
وتبرز الصناعات الدفاعية باعتبارها أحد أهم المجالات التي يمكن أن تمنح الاتفاق بعدا إستراتيجيا طويل الأمد خاصة مع إعلان التوجه إلى تنفيذ مشاريع مشتركة في هذا المجال. فاجتماع الإمكانات السعودية والقدرات الصناعية التركية والخبرات الباكستانية يمكن أن يفتح مجالات للبحث والتطوير والإنتاج المشترك ونقل وتوطين التقنية وبناء سلاسل إمداد دفاعية أكثر مرونة وقدرة على الاستمرار أثناء الأزمات.
وتكتسب الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والاستطلاع والحرب الإلكترونية وشبكات القيادة والسيطرة أهمية متزايدة في هذا السياق لأن طبيعة الحرب الحديثة تتجه بصورة متسارعة نحو تكامل المنظومات والمعلومات والقرار وليس نحو تفوق منصة منفردة فقط.
*{ وفي ميدان الحرب الحديثة قد تصبح سرعة اكتشاف التهديد ونقل المعلومة واتخاذ القرار أهم من امتلاك التفوق العددي وحده. }*
ومن هنا فإن القيمة العملياتية المستقبلية للاتفاق يمكن أن تقاس بمدى ما تستطيع الدول الثلاث بناءه من قدرة على تبادل الخبرات ورفع الجاهزية وتطوير الصناعات الدفاعية وتطوير مستويات فاعلة من التنسيق مع احتفاظ كل دولة بسيادتها الكاملة وقرارها الوطني المستقل.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه الترتيبات أصبحت قائمة بالفعل. فالتمييز ضروري بين ما أعلن رسميا من تطوير التعاون الدفاعي والمشاريع المشتركة وبين المسارات العملياتية التي يمكن أن تتطور مستقبلا وفقا لما تقرره الدول الثلاث.
وهذه الدقة مهمة لأن قوة اتفاق مكة لا تحتاج إلى المبالغة في تفسيره. فالنص المعلن يحمل في ذاته رسالة ردع واضحة وكلما تطورت آليات تنفيذه بصورة مؤسسية ارتفعت مصداقية تلك الرسالة.
*{ القيمة العملياتية للاتفاق تبدأ عندما تتحول الإرادة السياسية إلى جاهزية تجعل قرار العدوان أكثر كلفة وأقل احتمالا. }*
*وعند هذه النقطة يلتقي البعد العسكري بالهدف السياسي الأعلى للاتفاق . فبناء القوة ليس غاية مستقلة وإنما وسيلة لمنع الحرب وحماية الأمن والاستقرار وتهيئة البيئة التي تستطيع فيها الدول والشعوب مواصلة التنمية والازدهار .*
*{ فالغاية العليا من الردع ليست إدارة الحرب بعد وقوعها بل بناء ميزان يجعل قرار البدء بها أكثر صعوبة وكلفة. }*
ومن هذه النقطة تتجاوز آثار الاتفاق الحسابات العسكرية للدول الثلاث إلى أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي واستقرار المنطقة وأمن الطاقة والملاحة والتجارة والاقتصاد العالمي .
وتظهر الدائرة الأوسع لأهمية اتفاق مكة عندما ننظر إلى الجغرافيا التي تتحرك داخلها الدول الثلاث وما يرتبط بها من مصالح تتجاوز حدودها الوطنية. فالمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تقع ضمن نطاق يمتد عبر بعض أكثر مناطق العالم حساسية للطاقة والتجارة والملاحة وسلاسل الإمداد ولذلك فإن تعزيز الاستقرار والردع في هذه المساحة يحمل مردودا يتجاوز أطراف الاتفاق إلى الاقتصاد والأمن الدوليين.
وتحتل المملكة العربية السعودية موقعا محوريا في هذه المعادلة. فأمن المملكة يرتبط بأمن الخليج العربي والبحر الأحمر واستقرار أسواق الطاقة وحركة الملاحة والتجارة الدولية كما أن أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي يمثل امتدادا طبيعيا لأمن المملكة ومجالا إستراتيجيا مترابطا لا يمكن الفصل بين مكوناته.
ومن هنا فإن اتفاق مكة لا ينتقص من منظومة الأمن الخليجي ولا يحل محلها وإنما يضيف إلى الخيارات والشراكات التي تستطيع المملكة توظيفها لتعزيز أمنها الوطني والمساهمة في دعم أمن محيطها الخليجي والعربي والدولي.
وتزداد أهمية ذلك في عالم أثبتت أزماته الأخيرة أن آثار الصراع لم تعد تتوقف عند حدود ميدان القتال. فالهجوم على منشأة للطاقة قد يؤثر في الأسواق الدولية وتهديد ممر بحري قد يرفع تكاليف التجارة والتأمين وتعطيل ميناء أو شبكة اتصالات أو سلسلة إمداد قد يمتد أثره إلى دول تبعد آلاف الكيلومترات عن موقع الأزمة.
وهنا يلتقي الأمن بالاقتصاد والتنمية.
*{ فكل حرب يمنعها الردع تعني مدنا أكثر أمنا وموانئ تواصل عملها وطاقة تستمر في التدفق واقتصادات تحافظ على نموها وشعوبا تواصل بناء مستقبلها. }*
ومن هذا المنظور فإن اتفاق مكة لا ينبغي أن يقرأ باعتباره إضافة عسكرية إلى منطقة مضطربة فحسب بل باعتباره إضافة محتملة إلى قدرة المنطقة على حماية الاستقرار الذي تحتاجه مشاريع التنمية والاستثمار والتجارة والطاقة.
وهذا البعد يحمل أهمية خاصة للمملكة التي تمضي في تحول تنموي واقتصادي واسع وتحتاج مثل جميع الدول الطامحة إلى بيئة إقليمية مستقرة تحمي المكتسبات وتوفر الثقة للاستثمار وتدعم استمرارية التنمية. ولذلك فإن بناء القدرة الدفاعية وتعزيز الردع يمثلان في جوهرهما حماية لما تبنيه الدولة في وقت السلم.
ويمتد البعد التنموي للاتفاق نفسه إلى ما يمكن أن ينتجه التعاون في الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة من توطين للمعرفة وبناء للكفاءات وتوسيع لقاعدة البحث والابتكار والإنتاج. وهكذا يمكن أن تتحول الشراكة الدفاعية من استجابة للتهديد إلى أحد روافد التطور الصناعي والتقني للدول الثلاث.
أما على المستوى الدولي فإن الاتفاق يقدم نموذجا لتعاون دفاعي يقوم على تحمل الدول مسؤولية أكبر في حماية أمنها مع المحافظة على شراكاتها وعلاقاتها الدولية القائمة. وهذا يضيف إلى الاستقرار بدلا من أن ينشئ حالة استقطاب جديدة ما دامت الطبيعة الدفاعية للاتفاق ومبادئه المعلنة هي الإطار الذي يحكم تطوره.
*كما أن الإعلان عن بقاء الاتفاق مفتوحا أمام الدول الشقيقة الساعية إلى السلام والرخاء والاستقرار يمنحه بعدا مستقبليا مهما. غير أن قيمة أي توسع محتمل لا ينبغي قياسها بعدد الدول بقدر ما تقاس بوضوح الهدف ووحدة المصالح ومصداقية الالتزام والقدرة على المحافظة على الطبيعة الدفاعية للاتفاق.*
*وتبقى مكة المكرمة جزءا من الدلالة السياسية والتاريخية لهذا الحدث. فمن العاصمة المقدسة ومن قصر الصفا خرج اتفاق بين ثلاث دول إسلامية كبرى يربط القوة بالدفاع والردع بالسلام والتعاون بالأمن المشترك ويؤكد أن بناء القدرة لا يتعارض مع الدعوة إلى الاستقرار بل قد يكون من أهم ضماناته.*
*وبالنسبة للمملكة العربية السعودية فإن الدلالة الوطنية لاتفاق مكة تكتسب من مكان توقيعه في مكة المكرمة مهبط الوحي وقبلة المسلمين والعاصمة المقدسة بعدا تاريخيا وإسلاميا عميقا يعزز أهميته الإستراتيجية.*
وتدل مجمل المؤشرات الحالية على أن القيمة التاريخية الكاملة لاتفاق مكة لن يحددها يوم توقيعه وحده بل ما سيأتي بعده من آليات ومؤسسات ومشروعات وقدرات. فالقرار السياسي وضع الأساس أما المرحلة المقبلة فستكشف حجم البناء الذي يمكن أن تقيمه الدول الثلاث فوق هذا الأساس.
وإذا استطاعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تحويل الاتفاق إلى تعاون مؤسسي مستدام يرفع الجاهزية ويطور القدرات ويوسع التعاون الصناعي والتقني ويحافظ على استقلال القرار الوطني لكل دولة فإن اتفاق مكة يمكن أن يصبح أحد العناصر المهمة في بناء بيئة إقليمية أكثر استقرارا وقدرة على منع الأزمات قبل تحولها إلى حروب.
*الخلاصة الإستراتيجية.*
*أهمية اتفاق مكة للدفاع المشترك لا تقاس فقط بما يجمعه من قدرات ثلاث دول مؤثرة بل بما يمكن أن ينتجه من ردع يمنع العدوان وأمن يحمي الاستقرار واستقرار يحفظ التنمية وتنمية تقود إلى الازدهار.*
*ومن مكة المكرمة جاءت القاعدة واضحة:*
*{ أي عدوان على أحدنا … عدوان على الجميع. }*
*أما الرسالة السعودية الأبعد فهي أن المملكة تمضي بثقة في حماية أمنها وسيادتها ومقدراتها ومكتسباتها الوطنية وتعزيز أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وتوسيع شراكاتها والمساهمة في أمن المنطقة واستقرار العالم دون البحث عن الحرب أو صناعة الخصوم.*
*{ فالقوة المسؤولة لا تقاس فقط بما تستطيع أن تخوضه من حروب بل بما تستطيع أن تمنعه منها. }*
*وهنا تكمن الأهمية الإستراتيجية والعملياتية والمستقبلية لاتفاق مكة للدفاع المشترك .*
كاتب رأي

