من يستحق المكافأة؟

من يستحق المكافأة؟
سؤال استراتيجي يصنع ثقافة الأداء.
———
بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي أستاذ جامعي سابق – جامعة أم القرى.مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة
سؤال يتبادر في أذهان البعض حين تكافئ المؤسسات الظهور أكثر من الإنجاز… هل يبدأ الخلل من القيادة؟
في الإدارة التنفيذية لا تُقاس قوة المؤسسة بما تمتلكه من استراتيجيات مكتوبة، ولا بعدد مبادراتها أو مؤشرات أدائها بل بقدرتها على توجيه السلوك التنظيمي نحو ما يخدم أهدافها بعيدة المدى.. ومن بين أكثر الأدوات تأثيراً في تشكيل هذا السلوك تأتي منظومة المكافآت والتقدير، لأنها لا تمنح الأفراد حافزاً فحسب، بل ترسل رسالة واضحة إلى جميع المنسوبين حول ما تعتبره المؤسسة نجاحاً حقيقياً.
ومن هذا المنطلق فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل مجالس الإدارات والقيادات التنفيذية ليس كم أنفقنا على المكافآت؟؟بل السؤال الأهم هو ما السلوك الذي صنعته هذه المكافآت؟
فالمكافآت ليست قراراً مالياً ، وإنما قرار استراتيجي يعيد تشكيل ثقافة المؤسسة عاماً بعد عام.
وعندما يحصل أصحاب الإنجاز الحقيقي على التقدير المستحق،
تتكون بيئة تنظيمية تؤمن بأن الأداء هو الطريق الطبيعي للتقدم. أما إذا أصبحت الشهرة الداخلية أو كثرة الظهور في الاجتماعات أو القدرة على تسويق الذات عوامل تمنح أصحابها حضوراً يفوق أثرهم الحقيقي، فإن المؤسسة ترسل دون أن تقصد رسالة مختلفة مفادها أن الانطباع قد يكون أكثر قيمة من الإنجاز.
وهنا تبدأ المشكلة التي لا تظهر في تقارير الأداء، وإنما تظهر لاحقاً في انخفاض المبادرات النوعية وتراجع الابتكار، وفقدان الكفاءات المتميزة.
فالقيادة التنفيذية لا تقاس بقدرتها على توزيع المكافآت وإنما بقدرتها على جعل المكافآت أداة لتنفيذ الاستراتيجية.
ولهذا السبب، تؤكد الأدبيات الحديثة في القيادة التنفيذية أن أنظمة الحوافز يجب أن تكون مرتبطة بالأهداف الاستراتيجية للمؤسسة، لا بالأداء التشغيلي فقط. فالمؤسسة التي تضع الابتكار ضمن أولوياتها ينبغي أن تكافئ الابتكار.. والتي تجعل تجربة المستفيد هدفاً استراتيجياً، ينبغي أن تربط التقدير بمن يحقق قيمة حقيقية للمستفيد. أما إذا كانت المكافآت تمنح بعيداً عن الأولويات الاستراتيجية، فإن المؤسسة تخلق فجوة بين ما تعلنه في خططها وما تشجع عليه في واقعها.
ومن الأخطاء الشائعة في بعض البيئات والمؤسسات الإدارية أن يُختزل تقييم المنسوب في حضوره الشخصي أو مهاراته في العرض والإقناع أو قربه من دوائر القرار.. ولا شك أن مهارات التواصل والقيادة مؤثرة ومطلوبة ، ولكنها لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن مؤشرات الإنجاز ونتائج العمل.
فالظهور ليس إنجازاً كما أن الهدوء ليس دليلاً على ضعف الأداء.
كم من موظف يعمل بصمت لكنه يحمل على عاتقه ملفات استراتيجية تُحدث أثراً كبيراً في المؤسسة، وكم من شخص يلفت الأنظار بحضوره المستمر بينما يبقى أثره التنفيذي محدوداً.
لذلك فإن القيادة الاحترافية هي التي تستطيع التمييز بين الحضور والأثر.
ولهذا أصبحت المؤسسات العالمية تتجه إلى ما يعرف بالإدارة القائمة على الأدلة (Evidence-Based Management)، حيث تُبنى القرارات على البيانات الموثوقة، وتحليل النتائج، ومؤشرات الأداء، لا على الانطباعات العابرة. فالبيانات هنا لا تعرف المجاملة، والمؤشرات كذلك لا تنحاز للأشخاص بل تكشف حجم القيمة التي أضافها كل فرد أو كل فريق.
ومن زاوية التخطيط الاستراتيجي، فإن نظام المكافآت ليس نشاطاً مستقلاً عن الاستراتيجية بل أحد أهم أدوات تنفيذها. فكل مكافأة تمنحها المؤسسة اليوم، إنما تستثمر بها في السلوك الذي تريد أن تراه غداً. فإذا كوفئ الإنجاز تضاعف الإنجاز. وإذا كوفئت المبادرة ازداد الابتكار.. وإذا كوفئ العمل الجماعي أصبحت الشراكة ثقافة مؤسسية. أما إذا ارتبطت المكافآت بعوامل لا تعكس القيمة الحقيقية فإن المؤسسة قد تجد نفسها بعد سنوات أمام ثقافة تنظيمية تختلف تماماً عن الثقافة التي كانت تطمح إليها.
وهنا يبرز الدور الحقيقي للقائد التنفيذي فهو لا يكتفي بمراجعة نتائج الأداء بل يسأل باستمرار: هل تعكس منظومة المكافآت ما نريد أن تصبح عليه مؤسستنا؟؟وهل تكافئ ما يقود إلى تحقيق استراتيجيتنا، أم ما يلفت الانتباه داخل المنظمة؟؟
إن المؤسسات لا تُبنى بالأنظمة وحدها وإنما تبنى بالرسائل التي ترسلها كل يوم إلى منسوبيها. ولا توجد رسالة أكثر تأثيراً من قرار يمنح مكافأة أو يحجبها. فذلك القرار لا يكرّم فرداً فقط بل يصنع في الواقع ثقافة، ويؤسس لقيم، ويحدد ما إذا كانت المؤسسة ستصبح بيئة تحتفي بالأداء الحقيقي أم بيئة يتنافس فيها الجميع على الظهور.
والخلاصة فإن القيادة التي تنجح في تحويل المكافآت إلى أداة استراتيجية، لا تكافئ إنجاز الأمس فقط بل تبني إنجاز الغد. أما القيادة التي تخلط بين الظهور والإنجاز فإنها قد تحقق نجاحات مؤقتة لكنها تخاطر بإضعاف أهم أصولها على المدى الطويل آلا وهي : الكفاءة، والثقة، وثقافة الأداء.
كاتب رأي