كُتاب الرأي

المعيار الأسمى… عندما لا تكفي المؤشرات للحكم على النجاح.

المعيار الأسمى… عندما لا تكفي المؤشرات للحكم على النجاح

—————————————-

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي أستاذ جامعي سابق – جامعة أم القرى.مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.

—————————————

بدأت فكرة هذا المقال من حوار قصير مع أحد الطلاب. كان النقاش يدور حول أداء الجامعات والمؤشرات التي تستخدم لقياس مدى تقدمها، فبادرني بسؤال قائلاً: : إذا حققت جامعتنا جميع المؤشرات المطلوبة والأرقام المستهدفة فهل يعني ذلك أنها نجحت فعلاً  في تحقيق أهدافها؟

ثم قال جملة أدهشتني، وربما كانت هي التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال واختيار عنوانه:

“ما هو المعيار الأسمى؟”

توقفت عند السؤال لأنه يذهب إلى أبعد من فكرة المؤشرات نفسها. فالمؤشر يخبرنا بما تحقق، لكنه لا يجيب دائماً  عن السؤال الأهم: هل ما تحقق هو فعلاً  ما كنا نريد الوصول إليه؟

في معايير الإدارة أصبحت مؤشرات الأداء جزأً  أساسياً  من عملية التخطيط واتخاذ القرار. وهي مهمة بلا شك لأنها تساعد المؤسسات على معرفة مستوى التقدم، وتكشف جوانب القوة والقصور، وتوفر أساساً  للمقارنة والتحسين. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المؤشر من وسيلة للقياس إلى هدف بحد ذاته.

قد تحقق مؤسسة ما جميع الأرقام التي وضعتها لنفسها، ومع ذلك يبقى من المشروع أن نسأل: ماذا تغير بعد ذلك؟ وهل انعكس هذا الإنجاز على المستفيدين؟ وهل اقتربت المؤسسة من الغاية التي أنشئت من أجلها؟

في التعليم العالي، على سبيل المثال، يمكن للجامعة أن تحقق مستهدفاتها في أعداد الطلاب والخريجين والبرامج الأكاديمية والأبحاث والشراكات وغيرها من المؤشرات. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الجامعة.

السؤال الأجدر والأهم هو: ماذا تعلم الطالب؟ وهل أصبح أكثر قدرة على التفكير والتحليل والابتكار؟ وهل اكتسب المهارات التي يحتاج إليها في حياته المهنية؟ وهل أسهمت الجامعة في إنتاج معرفة مفيدة للمجتمع؟ وهل تركت أثراً  يتجاوز حدود الأرقام التي تظهر في تقارير الأداء ومؤشراته؟

وهنا أعتقد أن سؤال الطالب الذي أدهشني  كان في محله تماماً . فالمؤشرات يمكن أن تساعدنا في معرفة مستوى الإنجاز لكنها لا تستطيع وحدها أن تحدد قيمة الإنجاز.

وينطبق الأمر نفسه مثلاً على القطاع الصحي. قد ترتفع أعداد الخدمات المقدمة، وتزداد الطاقة الاستيعابية، وتتوسع المنشآت، لكن الحكم النهائي يجب أن يرتبط بما يحدث للمريض: هل تحسنت جودة الرعاية؟ هل انخفضت الأخطاء؟ هل أصبحت الخدمة أكثر أماناً وسهولة ؟ وهل تحسنت النتائج الصحية؟

وفي سلامة الغذاء، لا يكفي أن يبدو المكان نظيفاً  أو أن يعطي العامل انطباعاً  جياً  لدى الزبون المستهلك  لأن الأساس هو الالتزام بالممارسات الصحية، ومنع التلوث، والتعامل الصحيح مع الأغذية، وتطبيق متطلبات السلامة. فالمظهر قد يعطي انطباً وشعوراً بالراحة والطمأنينة لكن الإجراءات هي التي توفر الحماية الفعلية.

وقس على ذلك في بقية المؤسسات المختلفة..

في شركة إقتصادية إستثمارية  لا يمكن اعتبار ارتفاع الإيرادات أو النمو خلال فترة قصيرة دليلاً كافياً  على النجاح. فهناك أسئلة أخرى تتعلق باستدامة النمو، وتنويع مصادر الدخل، ورفع الإنتاجية، وتوفير فرص العمل، وتحسين القدرة التنافسية.

حتى في البحث العلمي، لا أعتقد أن عدد الأبحاث المنشورة يمكن أن يكون المعيار الوحيد. فالقيمة العلمية لا تتحدد بعدد الأوراق المنشورة فقط، وإنما بما تضيفه هذه الأبحاث من معرفة ،وما تقدمه من حلول، ومدى إمكانية الاستفادة منها  في تطوير وتحسين العمل  ودعم إتخاذ القرارات.

ومن هنا تبدو العلاقة بين المؤشر والنتائج المرجو الوصول إليها  مهمة جداً . عموماً تحن بحاجة إلى المؤشرات غير أننا بحاجة أيضاً  إلى أن نتوقف من وقت إلى آخر لنسأل أنفسنا ونقييم : هل ما نقيسه يعكس فعلاً  ما نريد تحقيقه؟

فالجامعة التي تستهدف زيادة عدد الأبحاث مثلاً قد تنجح في تحقيق الرقم المطلوب، لكن إذا لم تتحسن جودة البحث أو أثاره العلمية والمجتمعية، فإن الرقم وحده لا يخبرنا  بالتفاصيل ولا بالصورة كاملة.

والأمر نفسه كذلك ينطبق على المبادرات والمشروعات إذ ليس المهم فقط أن ننفذ المشروع في الوقت المحدد وضمن الميزانية، المحددة له فقط  وإنما أيضاً يجب أن نعرف ماذا أضاف بعد تنفيذه. هل حل مشكلة؟ هل حسن خدمة؟ هل وفر وقتاً  أو تكلفة؟ هل أحدث فرقاً يمكن للمستفيد أن يشعر به؟

هذا النوع من التفكير ينسجم مع التوجه المتزايد نحو معرفة الأثر الحقيقي، بدل الاكتفاء بقياس ما تم إنجازه وهو توجه مهم في الإدارة الحديثة، لأن تنفيذ الأعمال لا يمثل نهاية العملية، وإنما يمثل بداية مرحلة أخرى تتعلق بمعرفة نتائجها.

وفي المملكة العربية السعودية، تعطي رؤية السعودية 2030 أهمية واضحة للنتائج التي تمس حياة الإنسان والاقتصاد والمجتمع، إلى جانب تنفيذ البرامج والمبادرات. وهذا يطرح مسؤولية إضافية على المؤسسات: بأن  تنشغل بإكمال المشاريع وتحقيق المستهدفات، وبالتوازي أن تتابع ما إذا كانت هذه الجهود قد حققت الغرض الذي وضعت من أجله.

لذلك، ربما لا تكمن المشكلة في كثرة المؤشرات، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها. المؤشر الجيد يساعدنا على رؤية الواقع بصورة أفضل، أما المؤشر الذي يتحول إلى هدف مستقل فقد يجعل المؤسسة تنشغل بتحسين الرقم بدل تحسين الواقع.

ولهذا أرى أن المؤسسات بحاجة إلى مراجعة مؤشرات الأداء بصورة دورية، وربطها بنتائج المستفيدين، واستخدام البيانات والأدلة في اتخاذ القرار، وترك مساحة للموظفين والطلاب والمستفيدين للتعبير عن المشكلات التي قد لا تظهرها الأرقام.

ومنذ أن طرح علي الطالب سؤاله صرت  أعتقد أن هناك سؤالاً ينبغي أن يسبق أحياناً سؤال  هل حققنا المؤشر؟

وهو: “هل حققنا الهدف ؟”

فقد تكون الإجابة عن السؤال الأول نعم، بينما تكون الإجابة عن الثاني مختلفة.

وربما لهذا السبب بقيت عبارة الطالب في ذهني: “ما هو المعيار الأسمى؟”

ليس المقصود أن نستغني عن المؤشرات، فهي ضرورية لإدارة المؤسسات وتقييم أدائها. لكن علينا أن نتذكر دائماً  أنها أدوات تساعدنا على معرفة الطريق، وليست الطريق نفسه.

وفي النهاية قد يكون المعيار الأسمى أبسط مما نتصور: أن نعرف ما الذي أردنا تغييره، ثم نتأكد من أن ما قمنا به أحدث ذلك التغيير فعلاً.

وهذا، في رأيي، هو الفرق بين مؤسسة تحقق أرقاماً  جيدة، ومؤسسة تحقق نتائج لها قيمة حقيقية.

كاتب رأي 

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.