النظام الإيراني .. إلى أين يتحرك ؟

النظام الإيراني .. إلى أين يتحرك ؟
رؤية تحليلية استراتيجية .
الثلاثاء الموافق ( 29 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( عندما تضيق أمام النظام الإيراني خيارات القوة، فإن حركته نحو التفاوض لا تعني بالضرورة أنه اختار السلام؛ فقد يكون يعيد ترتيب أوراقه، أو يشتري الوقت، أو يبحث عن مخرج يحفظ له ما بقي من أدوات الضغط . )
في المقال السابق كان السؤال عن احتمال عودة الهجوم الأمريكي على إيران، أما اليوم فالسؤال ينتقل إلى الطرف الآخر من المعادلة:
النظام الإيراني .. إلى أين يتحرك ؟
طهران تتحرك الآن بين مسارين متوازيين؛ التفاوض من جهة، والاحتفاظ بأوراق الضغط من جهة أخرى . فالولايات المتحدة وإيران ما زالتا على اتصال غير مباشر عبر الوسطاء، وتستمر محاولات تقريب المواقف بشأن وقف القتال وتخفيف القيود على الملاحة في مضيق هرمز واستئناف التفاوض حول البرنامج النووي، لكن الخلافات الجوهرية بين الطرفين لم تحسم بعد .
ولا ينبغي أن تقرأ الحركة الإيرانية من ظاهر التصريحات وحدها .
فطهران تعلن استعدادها للتفاوض، لكنها تتمسك في الوقت نفسه بشروطها وأوراقها، فيما لم تظهر حتى الآن تسوية نهائية قابلة للتنفيذ . وهذا يعني أن باب التفاوض ما زال مفتوحا، لكنه لم يتحول إلى اتفاق .
وتبقى معركة هرمز أكثر ساحات الضغط حساسية . فالمضيق ليس ممرا بحريا فحسب، بل ورقة عسكرية واقتصادية وسياسية في قلب المساومة الجارية . وكلما استطاعت إيران التأثير في حركة السفن والطاقة ارتفعت قيمة هذه الورقة، وكلما تمكن الطرف المقابل من إبقاء الملاحة مستمرة وتقليص آثار التهديد تراجعت قدرة طهران على تحويل الضغط إلى مكسب سياسي .
وفي الحساب الاستراتيجي، لا تكفي حيازة أداة الضغط؛ فقيمتها الحقيقية تقاس بقدرتها على التأثير في قرار الخصم .
وتزداد معادلة هرمز تعقيدا بعد الكشف حديثا عن واقعة وقعت خلال سبتمبر، أصيب خلالها ثمانية من مشاة البحرية الأمريكية في هجوم إيراني على سفينة غير عسكرية كانوا على متنها . ولا تعني الواقعة أن إيران أحكمت السيطرة العملياتية على المضيق، لكنها تؤكد أن قدرتها على التهديد البحري وإحداث خسائر فعلية لم تستنفد .
وفي الاتجاه المقابل، تظهر البيانات الحديثة تحسنا في حركة بعض ناقلات الطاقة عبر المضيق بعد تراجعها، بما يؤكد أن الملاحة لم تتوقف بالكامل، وإن ظلت دون مستويات ما قبل الحرب .
وهكذا أصبحت معركة هرمز اختبارا متبادلا لحرية العمل البحري؛ إيران تسعى إلى المحافظة على قدرتها على التهديد والتأثير، والولايات المتحدة تسعى إلى تأمين حرية الملاحة ومنع التهديد الإيراني من التحول إلى سيطرة بحرية مستدامة .
وتبرز هنا المعضلة الإيرانية بصورة أوضح؛ فطهران تحتاج إلى التفاوض دون أن تبدو مضطرة إليه، وإلى الاحتفاظ بخيارات القوة دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع، وإلى المحافظة على نفوذها من خلال القوى والفصائل الإرهابية المسلحة المرتبطة بها إقليميا دون أن تتحول هذه القوى إلى أسباب إضافية لاستهدافها .
أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى مكاسب سياسية قابلة للتثبيت، دون منح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب قدراته ثم العودة إلى نقطة البداية .
وتأتي إسرائيل بوصفها الطرف الثالث المؤثر في هذه المعادلة . فطهران لا تستطيع أن تنظر إلى تفاوضها مع واشنطن بمعزل عن الحسابات العسكرية الإسرائيلية، كما لا تستطيع إسرائيل النظر إلى أي تسوية أمريكية ـ إيرانية بمعزل عن البرنامج النووي والصواريخ والقدرات العسكرية الإيرانية وشبكة القوى المسلحة المرتبطة بطهران في المنطقة .
ولهذا أصبحت العلاقة بين أطراف الصراع الثلاثة أكثر تعقيدا:
واشنطن تضغط وتفاوض، وطهران تناور بين القوة والتفاوض، وإسرائيل تحسب خطواتها على ضوء ما يحققه الميدان وما قد تنتجه التسوية .
ويبقى البرنامج النووي الإيراني في قلب أي تسوية محتملة، وليس ملفا جانبيا . فخفض التصعيد في هرمز ووقف القتال قد يصنعان هدنة، لكنهما لا يحلان وحدهما الخلافات المتعلقة بالتخصيب والعقوبات والتفتيش والرقابة . ولذلك فإن نجاح الوساطة لا يقاس بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما بقدرتها على الانتقال من التهدئة المؤقتة إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ .
المشكلة أمام النظام الإيراني لم تعد في كيفية مواصلة الحرب وحدها، بل في كيفية الخروج منها دون خسارة أوراقه الرئيسية .
فإذا قدم تنازلات كبيرة، فإنه يخاطر بخسارة جانب من أدوات الردع والنفوذ التي بناها خلال عقود . وإذا تشدد أكثر، فإنه يخاطر باستمرار الاستنزاف واتساع نطاق الضربات . وإذا دفع القوى والفصائل المسلحة المرتبطة به إلى مزيد من التصعيد، فقد يفتح جبهات جديدة يصعب التحكم في مساراتها ونهاياتها .
لذلك تبدو الحركة الإيرانية الحالية أقرب إلى إدارة الخيارات المتبقية منها إلى السير في اتجاه واحد محسوم .
وستكون المؤشرات الأهم في حركة القوات والصواريخ، ومستوى الضغط على مضيق هرمز، وطبيعة نشاط القوى المرتبطة بطهران، ومقدار التغير في الجهد العسكري الأمريكي والإسرائيلي، ثم ما إذا كان التفاوض سينتقل من تبادل المقترحات إلى التزامات قابلة للتنفيذ .
هذه المؤشرات، لا التصريحات وحدها، هي التي ستكشف إلى أين يتحرك النظام الإيراني فعلا .
الخلاصة الاستراتيجية .
النظام الإيراني لا يتحرك حتى الآن نحو السلام وحده، ولا نحو الحرب وحدها ؛ بل يحاول التفاوض مع الاحتفاظ بخيارات القوة والضغط .
لكن الاحتفاظ بهذه الخيارات يصبح أكثر صعوبة كلما طال أمد الحرب وارتفعت كلفتها، وكلما تعرضت أدوات الضغط للاستهلاك أو تمكن الخصم من التكيف معها .
والسؤال الأعمق الآن ليس هل يملك النظام الإيراني أوراقا، فهو لا يزال يملك بعضها؛ وإنما:
إلى متى يستطيع النظام الإيراني المحافظة على قيمة أوراقه وحرية اختياره، قبل أن تفرض عليه تطورات الميدان وضغوط الاقتصاد وشروط التفاوض قرارا لم يعد يملك توقيته ؟
فالوجهة الحقيقية للنظام الإيراني لن تكشفها تصريحاته التي كثيرا ما اتسمت بالمراوغة والغموض واتساع مساحة التأويل، وإنما ما يفعله بقواته وصواريخه والقوى المرتبطة به، وما يقبل به أو يرفضه عندما توضع شروط التسوية على الطاولة .
فالوقت في الحروب لا يعمل لمصلحة أحد إلى الأبد؛ ومن لا يحسن قراءة اللحظة التي تتغير فيها موازين القوة، قد يجد أن الخيارات التي كانت أمامه بالأمس لم تعد موجودة اليوم .

