أصحاب الأثر

علي النعيمي

علي النعيمي

من البادية إلى عالم النفط بإستراتيجيات متطورة.

————————————-

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.

——————————————
قرأت كتاب معالي المهندس علي بن إبراهيم النعيمي (من البادية إلى عالم النفط)قبل سنتين، وأعدت قراءته خلال الأيام الماضية، فاستوقفتني فيه تجارب وأفكار تتجاوز حدود السيرة الذاتية؛ إذ يمكن قراءتها من منظور إستراتيجي يكشف كيف بدأ، وكيف تعلم، وكيف بنى خبرته، وانتقل من مرحلة إلى أخرى حتى وصل إلى مواقع المسؤولية.
أولى الإستراتيجيات التي لفتتني هي إستراتيجية بناء الذات بالعلم والمعرفة. فالنعيمي لم يبدأ من موقع كبير، لكن التعليم كان أحد أهم مفاتيح انتقاله إلى مراحل جديدة. فالتعليم ليس مجرد شهادة تؤهل الإنسان لوظيفة، وإنما إستثمار طويل المدى في بناء المعرفة والقدرة على التفكير والعمل واتخاذ القرار.
ثم تأتي إستراتيجية التدرج المهني فالقيادة لا تبنى بمجرد الوصول إلى المنصب، وإنما عبر سنوات من العمل والاحتكاك بالميدان ومعرفة تفاصيل المؤسسة ومواجهة المشكلات وتحمل المسؤولية. ولذلك فإن التدرج ليس تأخيراً للنجاح بل أحد أهم عناصر صناعته.
ومن تجربته يمكن استخلاص إستراتيجية بناء الثقة فالمنصب قد يأتي بقرار، لكن الثقة تبنى بالأداء والمواقف والالتزام. ولهذا فإن الرصيد الحقيقي للقيادي ليس مسماه الوظيفي، وإنما ما راكمه من خبرة وثقة خلال سنوات عمله.
وتبرز كذلك إستراتيجية الاستماع والاستفادة من الخبرات. فالمؤسسة الكبيرة لا يمكن أن تدار بعقل واحد، وقد يمتلك الموظف في الميدان معلومة لا تظهر في التقارير، أو لدى المتخصص رؤية تسهم في تحسين القرار. ولذلك فإن الاستماع ليس مجاملة إدارية، بل وسيلة إستراتيجية لصناعة القرار.
ومن أهم ما يمكن قراءته في التجربة إستراتيجية بناء القيادات واستدامة المؤسسة.. فالقائد سيغادر يوماً ما، أما المؤسسة فيجب أن تستمر. والقيادي الناجح ليس من يجعل المؤسسة مرتبطة بشخصه، وإنما من يبني قيادات قادرة على تحمل المسؤولية ومواصلة الطريق. فالقيادات الوطنية لا تظهر فجأة، وإنما تبنى بالتعليم والتدريب والتدرج ومنح الفرص.
كما تكشف تجربة النعيمي في أرامكو ثم في المسؤولية الحكومية عن أهمية التفكير خارج حدود المؤسسة.. فالنفط ليس إنتاجاً وبيعاً فقط، وإنما يرتبط بالاقتصاد والأسواق والتقنية والسياسة وتغير مصادر الطاقة. وهذه الرؤية تنطبق على الجامعات والشركات والجهات الحكومية التي تحتاج إلى قراءة المتغيرات من حولها وعدم الاكتفاء بالنظر إلى الداخل.
ومن الإستراتيجيات المهمة أيضاً تحويل الموارد إلى قيمة.. فامتلاك النفط لا يكفي وإنما تكمن القيمة في تحويله إلى صناعات وخدمات ومعرفة وتقنية. وينطبق الأمر نفسه على الموارد البشرية والمعرفية فوجود الكفاءات والجامعات والميزانيات لا يكفي ما لم تتحول إلى نتائج ملموسة.
أما الأزمات، فهي الاختبار الحقيقي للمؤسسات، ولذلك فإن الإستعداد للأزمات يجب أن يبدأ قبل وقوعها، من خلال التخطيط ووضوح المسؤوليات ورفع جاهزية القيادات والأنظمة.
وبعد إعادة قراءة الكتاب، لم يكن السؤال الذي استوقفني: كيف وصل علي النعيمي إلى القمة؟ وإنما كيف صنعت السنوات التي سبقت القمة هذا الرجل؟
في تقديري، الإجابة تكمن في منظومة تراكمية من التعليم، والتدرج، واكتساب الخبرة، والاستفادة من الفرص وبناء الثقة، والاستماع إلى الآخرين، وتحمل المسؤولية، وبناء القيادات، وحسن استثمار الموارد، والاستعداد للمستقبل.
وهذه ليست إستراتيجيات خاصة بالنفط أو بأرامكو، وإنما مبادئ يمكن أن تستفيد منها مؤسساتنا المختلفة فالقيادات لا تُصنع بين ليلة وضحاها، والمؤسسات القوية لا تُبنى بقرار واحد.
ولهذا أرى أن (من البادية إلى عالم النفط) يستحق أن يقرأ بأكثر من زاوية ففي القراءة الأولى نتابع سيرة الرجل، وفي القراءة الثانية تختبر الإستراتيجية لنكتشف رحلة طويلة صنعها العلم والعمل والتجربة والفرصة والمسؤولية.
والرسالة الأهم التي خرجت بها من إعادة قراءة الكتاب أن القيادة لا تبدأ عند المنصب وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات وأن أفضل ما يمكن أن تتركه القيادة ليس اسم صاحبها، وإنما مؤسسة أقوى وقيادات قادرة على مواصلة الطريق والركض نحو القمة.
وهكذا  فإن المسافة بين البادية وعالم النفط لم تكن مسافة مكان  وإنما كانت رحلة إستراتيجية صنعها العلم والعمل والتجربة والفرصة والمسؤولية.

كاتب رأي 

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.