الأخبار
أين يريد الحضارم أن يضعوا حضرموت؟

أين يريد الحضارم أن يضعوا حضرموت؟
فيصل مرعي الكثيري
يكفي أن يجيء الحديث عن مستقبل حضرموت حتى تظهر الخريطة من تلقاء نفسها. هذا يشير إلى الجنوب، وذاك يتمسك باليمن، وثالث يتحدث عن إقليم، ورابع يرى أن حضرموت أكبر من أن تدخل مشروع أحد بشروطه. تطول المناقشة، وقد يخرج كل واحد أكثر اقتناعا برأيه، ويبقى سؤال صغير على الطاولة: بأي معيار نختار أصلا؟
حين يختار حضرمي المشروع الجنوبي، يفترض أنه يراه الأصلح لحضرموت. وحين يتمسك آخر باليمن، فهو يتوقع أن تحقق حضرموت داخله ما يطمح إليه. أما الإقليم، فقيمته لا تأتي من اسمه، وإنما من الصلاحيات التي تقف وراءه.
هنا يحتاج النقاش الحضرمي إلى تغيير ترتيب الأسئلة. نبدأ كثيرا بسؤال: مع من تكون حضرموت؟ وربما كان السؤال الأسبق: كيف نريد أن تكون حضرموت؟
الفرق بين السؤالين أكبر مما يبدو. حين تبدأ بـمع من؟ فأنت تنظر إلى المشاريع الموجودة حولك ثم تختار بينها. وحين تبدأ بكيف؟ فأنت ترسم صورة حضرموت التي تريدها أولا، ثم تعرض عليها المشاريع جميعا. يشبه الأمر رجلا يبحث عن بيت. من الغريب أن يبدأ بسؤال: أي مكتب عقار أختار؟ قبل أن يعرف كم غرفة يحتاج، وفي أي حي يريد أن يسكن، وما المبلغ الذي يستطيع دفعه. المكتب وسيلة، والبيت هو القضية. وفي السياسة قد تتحول الوسيلة إلى القضية نفسها.
نختلف حول الوحدة والانفصال والفيدرالية، وتعلو أسماء المشاريع، ثم يضيع خلفها الإنسان الذي سيعيش داخل هذه المصطلحات. المعيار يظهر في حياته: مقدار القرار الذي يملكه أهل حضرموت، وحصة أرضهم من مواردها، ومن يدير مؤسساتها، وما وزنها في القرار السياسي، وما الضمانة التي تمنع أي مركز من إعادة العلاقة القديمة باسم جديد. هذه الأسئلة أهم عندي من أسماء الدول والأقاليم؛ لأن الاسم السياسي لا يصنع الضمانة وحده. قد تقول ((دولة جنوبية)) وتبقى حصة حضرموت من القرار محدودة. وقد تقول ((يمن اتحادي)) وتظل الصلاحيات الحقيقية في المركز. وقد ترفع شعار ((إقليم حضرموت)) ثم تكتشف أن الإقليم يملك اسمه أكثر مما يملك قراره.
الكلمات في السياسة تشبه عناوين العقود؛ قيمتها تظهر حين تقرأ البنود الصغيرة.
والحضارم يعرفون ما الذي أزعجهم في تجاربهم السابقة. يعرفون معنى أن تكون الأرض واسعة وحضورها في القرار أضيق، وأن تخرج منها الثروة بينما تنتظر مدنها بعض ما تحتاج إليه، وأن تناقش شؤونها في مكان لا يجلس فيه أهلها بالوزن الذي يتناسب مع أرضهم ومواردهم. هذه الخبرة ينبغي أن تتحول إلى معيار للمستقبل. فالتجربة التي تعلمك من ترفض فقط تترك نصف الدرس. والنصف الآخر أن تعرف ما الذي لن تقبل أن يتكرر، أيا كان اسم الطرف الذي يفعله. وهنا أرى مساحة يستطيع الحضرمي الوحدوي والجنوبي والاتحادي أن يلتقوا فيها: قبل أن يتفق الحضارم على شكل الدولة، يستطيعون أن يتفقوا على حقوق حضرموت داخل أي دولة. إدارة أقرب إلى أهلها، وموارد يظهر أثرها في أرضها، وتمثيل سياسي يعكس وزنها، وشؤون محلية تبقى في يد أهلها، وحضور حضرمي مؤثر في أي اتفاق يرسم مستقبلها.
بعد ذلك يبدأ الخلاف الحقيقي: أي صيغة تحقق هذه المطالب أكثر؟
عندها يصبح النقاش مقارنة بين نتائج، لا دفاعا عن أسماء. وقد نكتشف أن شخصين يتخاصمان حول مشروعين مختلفين، مع أن كليهما يريد لحضرموت قدرا متقاربا من القرار والموارد والتمثيل. وقد نكتشف أن شخصين يرفعان الشعار نفسه، فيما يختلفان جذريا حول ما ينبغي أن تملكه حضرموت من قرارها. لهذا أرى أن للحضارم معيارا يمكن أن يسبق كل مشروع: أي صيغة سياسية لا تمنح حضرموت سلطة حقيقية على شؤونها، ووزنا في القرار يوازي وزنها، ونصيبا واضحا من مواردها، لن ينقذها جمال الاسم ولا قربه من العاطفة الحضرمية.
السؤال الحضرمي يبدأ من حضرموت نفسها، لا من عدن ولا من صنعاء ولا من أي عاصمة أخرى.
حين يعرف الحضارم ماذا يريدون لهذه الأرض، يصبح اختيار المشروع مسألة سياسية قابلة للنقاش والحساب. أما البدء بالخريطة قبل تحديد الوجهة، فقد يجعلهم يقضون سنوات يتخاصمون على الطرق، بينما المكان الذي يريدون الوصول إليه ما زال مجهولا.


