كُتاب الرأي

من أنت.. ولماذا تمضي؟

من أنت.. ولماذا تمضي؟

فيصل مرعي الكثيري 

ثمة سؤال يتسلل إلى الإنسان حين تخفت أصوات الحياة قليلا ويبتعد عن صخب يومه المعتاد: من أنا؟ ولماذا أمضي في هذا الطريق دون غيره؟
والعجيب أن هذا السؤال، على بساطته الظاهرة، يربك كثيرا من الناس أكثر مما تربكهم أسئلة العمل والمال والعلاقات. فالإنسان يستطيع أن يشرح وظيفته بسهولة، وأن يسرد إنجازاته بدقة، وأن يحدثك طويلا عن مشاريعه المقبلة، ثم يقف متلعثما حين يُسأل عن نفسه بعيدا عن كل تلك العناوين.
ولعل هذا التردد يكشف حقيقة تستحق التأمل، فنحن نعرف عن أنفسنا أشياء كثيرة، لكن معرفة الذات شيء آخر تماما. نعرف أسماءنا وأعمارنا ومهننا ونحفظ تفاصيل سيرتنا الذاتية كما نحفظ قصة قديمة، لكن تلك المعرفة لا تتجاوز حدود الوصف الخارجي. أما معرفة النفس الحقيقية فتبدأ حين يتوقف الإنسان عن سرد ما يفعله، ويشرع في التساؤل عن سبب ما يفعله.
لقد منحت الحياة الحديثة الإنسان وسائل لا حصر لها كي يقدم نفسه للآخرين؛ يستطيع أن يعرض أفكاره وصوره وتجربته اليومية بضغطة زر، وأن يتلقى آراء الناس وإعجابهم في لحظات. ومع هذا كله، تبدو معرفة النفس أكثر صعوبة من أي وقت مضى. لقد أصبحنا أكثر مهارة في صناعة الصورة من فهم صاحب الصورة، وأكثر قدرة على إدارة الانطباعات من إدارة دواخلنا. ومن هنا تنشأ مفارقة لافتة.. فقد يبدو الإنسان ناجحا في أعين الجميع، بينما يعيش في داخله أسئلة مؤجلة منذ سنوات. وقد يحقق أهدافا كان يظن أنها غاية السعادة، ثم يفاجأ بأن شيئا غامضا ما يزال ناقصا. ليس لأن النجاح عديم القيمة، فالنجاح يجيب عن أسئلة الخارج، ويترك أسئلة الداخل تنتظر صاحبها في منعطفات الطريق.
وربما كانت إحدى مشكلات عصرنا أن الأصوات المحيطة بنا أصبحت أكثر عددا من أي زمن مضى. هناك من يخبرك كيف تنجح وكيف تفكر وكيف تعيش، وما الذي ينبغي أن تطمح إليه. ومع تكرار هذه الرسائل يوما بعد يوم، قد يجد الإنسان نفسه يطارد أهدافا لم يخترها بنفسه، أو يدافع عن قناعات لم يتأملها على مهل. وحين يحدث ذلك، يصبح الانشغال بالحياة بديلا عن فهمها، وتمضي الأيام دون أن ندرك إلى أين نمضي.
والإنسان في نهاية الأمر حصيلة اختياراته الخفية. فالحياة لا تتشكل من القرارات الكبرى وحدها، فالتفاصيل الصغيرة التي تمر من غير انتباه هي التي تصيغها. عادة تتكرر أو تنازل يتجدد، أو مجاملة تستمر أكثر مما ينبغي، ثم تتراكم هذه الأشياء حتى ترسم ملامح الشخصية ومسار العمر. ولهذا لا يتغير الناس في يوم واحد، كما أنهم لا يفقدون أنفسهم في ليلة وضحاها؛ إنها رحلة تآكل هادئة أو بناء متأنٍ.
ومن الأخطاء الشائعة أن كثيرا من الناس يظنون الحيرة ضعفا. والحيرة في أحيان كثيرة ليست دليلا على اضطراب الفكر، فهي قد تكون الإشارة الأولى إلى أن العقل توقف أخيرا عن ترديد الأجوبة الجاهزة. فالذي لا يسأل نفسه يعيش مطمئنا إلى ما اعتاده من أفكار، أما الذي يمتلك شجاعة السؤال فيمر بمرحلة من القلق الهادف تقربه خطوة أخرى من فهم ذاته. ولهذا كانت الأسئلة الصادقة مفتاحا لكثير من أبواب الفهم، في حين تمنح الأجوبة السريعة شعورا مريحا قد يحجب الحاجة إلى التأمل.
وحين يجلس الإنسان مع نفسه بعيدا عن صخب الحياة، يكتشف أمورا لم يكن يراها في زحام الطريق. يكتشف أن بعض المعارك التي خاضها بشراسة لم تكن معاركه، وأن بعض الرغبات التي أتعبته جاءت إليه من الخارج حتى ظنها جزءا من كينونته، وأن كثيرا من الأمور التي كانت تبدو ضرورية فقدت أهميتها بمجرد النظر إليها من زاوية مغايرة. هناك يبدأ الوعي في التشكل بهدوء، وهناك أيضا تبدأ المصالحة مع النفس.
ومن أعجب مفارقات هذه الرحلة أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة في محاولة إثبات ذاته أمام الآخرين، ثم يكتشف متأخرا أن المهمة الأصعب لم تكن إثبات نفسه لهم، فالتحدي الحقيقي هو أن يتعرف إليها بصدق. فالقضية لا تتعلق بعدد الذين يعرفون اسمك، ولا بحجم المكانة التي حققتها، ويبقى المحك الحقيقي في قدرتك على أن تفهم معنى حياتك وتقتنع بالاتجاه الذي تسير فيه خطواتك.
ولهذا يظل السؤال القديم حيا: من أنت؟
ليس سؤالا عن الاسم أو الوظيفة أو الألقاب التي يعرفك الناس بها، فهذه أشياء قد تتغير مع الزمن. المقصود هو ذلك الإنسان الذي يبقى حين تنصرف الجموع وتهدأ الأصوات، وحين لا يعود بينه وبين نفسه أي حجاب من مجاملة أو ادعاء.
وحين يجيب المرء عن هذا السؤال بصدق، يكتشف أن سؤالا آخر كان ينتظره منذ البداية:
إذا كنت قد عرفت من أنت، فهل تدري حقا لماذا تمضي؟

كاتب رأي

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.