السفر بين الأدبيات والثقافة

السفر بين الأدبيات والثقافة
=============
سعود شباب العتيبي
حين يصبح الكتاب جواز السفر الأول
لم يعد السفر في القرن الـ21 مجرد حجز تذكرة وفندق. في زمن تتكرر فيه صور المدن على “إنستجرام”، عاد كثيرون للبحث عن معنى أعمق للرحلة: أن يسافروا بالعقل قبل الجسد.
كيف يرسم الأدب الخارطة قبل الطائرة ؟
تقول الكاتبة السعودية نورة العتيبي: “قرأت عن القاهرة لنجيب محفوظ قبل أن أزورها بـ10 سنوات. حين وصلت، لم أكن سائحة. كنت أزور شخصيات أعرفها”.
هذه هي وظيفة الأدب الأولى في السفر. فالرواية والقصة والقصيدة لا تصف المكان فقط، بل تمنحك “شيفرة” لفهمه. ابن بطوطة كتب رحلته فصنع خريطة ثقافية للعالم الإسلامي، وأدب الرحلات عند ابن بطوطه والهمداني لا يزال المرجع الأول لفهم المدن العربية.
دراسة حديثة لمركز “ثقافة” تؤكد أن 68% من المسافرين الذين يقرؤون عن وجهتهم قبل الذهاب إليها، يقيمون تجربتهم بأنها “أكثر عمقاً ورضا” مقارنة بغيرهم.
الثقافة: من التصوير إلى الفهم
الفرق بين السائح والمسافر الحقي هو الثقافة.
السائح يسأل: “أين أفضل مطعم؟”
أما المسافر المثقف فيسأل: “لماذا يأكلون هذا الطبق في هذا الوقت؟ وما قصته؟”
في اليابان الصمت في المترو احترام. في مصر المساومة في السوق لغة تواصل. في المغرب الشاي بالنعناع طقس وليس مشروباً. من لا يعرف هذه التفاصيل، سيمر عليها مرور الكرام ويعود بنفس العقلية التي سافر بها.
إليك ياسيدي أمثلة من الواقع
١ – الأندلس : آلاف السعوديين يزورون غرناطة سنوياً. لكن من قرأ “أبجدية يوسف” لإبراهيم نصر الله قبل الذهاب، يرى قصر الحمراء ككتاب مفتوح وليس كحجارة فقط.
٢ – مصر: من قرأ ليوسف إدريس وبهاء طاهر، سيفهم القاهرة بضجيجها وإنسانيتها، ولن يختزلها في الأهرامات فقط.
٣ – تركيا: روايات أورهان باموق جعلت إسطنبول مدينة “طبقات” وليست مدينة “جسور”.
خبراء: نحتاج لـ “سياحة معرفية
يقول الدكتور خالد السليمان، أستاذ الأدب المقارن: “وزارة السياحة تركز على البنية التحتية، وهذا مهم. لكن نحتاج أيضاً لبنية تحتية معرفية. كتيبات، بودكاست، قوائم قراءة لكل مدينة”.
ويضيف: “السياحة الثقافية تدر دخلاً أعلى وتبقي الزائر فترة أطول، لأنه يبحث عن تجربة لا عن صورة”.
السفر بين الأدبيات والثقافة هو الحل لمتلازمة “زرت 20 دولة ولا أتذكر منها شيئاً”.
قبل أن تحزم حقيبتك، أقرأ كتاباً. قبل أن تبحث عن “أفضل 10 أماكن”، ابحث عن “أهم 3 كتاب” من تلك البلد.
حينها فقط، لن تعود من السفر بحقيبة هدايا و وملابس ، بل بعقل أوسع وقلب أرحب.
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِي طلب العُلَى
وسَافِرْ، فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ ، وَاكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ، وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِدِ.
كاتب رأي


